فهرس الكتاب
والثانية: جريانه فيها وهو الخاطر.
والثالثة: حديث نفسه وهو ما يقع من التردد، هل يفعل أو لا؟ وهذان مرفوعان بقوله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل ) )، فإذا ارتفع حديث النفس ارتفع ما قبله بطريق أولى.
قال المحققون: وهذه المراتب الثلاث أيضًا لو كانت في الحسنات لم يكتب له بها أجر، أما لأول فظاهر، وأما الثاني والثالث فلعدم القصد.
والرابعة: الهم وهو ترجيح قصد الفعل: يقال هممت بالأمر، أي: قصدته بهمتي، وهو مرفوع للحديث الذي أوردناه.
والخامسة: العزم، وهي قوة ذلك القصد، والجزم به، فإن العزم لغة الجد وعقد القلب. وهنا دقيقة، نبهنا عليها في (جمع الجوامع) ، وهي: أن عدم المؤاخذة بالهم وحديث النفس ليس مطلقًا، بل بشرط عدم التكلم أو العمل حتى إذا عمل يؤاخذ بشيئين، همه، وعمله، ولا يكون همه مغفورًا وحديث نفسه، إلاَّ إذا لم يعقبه العمل، هذا هو ظاهر الحديث. ونحن جرينا عليه في (جمع الجوامع) ، حيث قلنا: (وحديث النفس ما لم يتكلم أو يعمل والهم مغفوران .. انتهى) ، أي: والهم ما لم يتكلم أو يعمل أيضًا، ولم نحتج إلى تقييده لفظًا، لانسحاب القيد عليه، ولأنا إذا قيدنا حديث النفس، وهو دون الهم، كان الهم مقيدًا بطريق أولى.
وهل يؤاخذ بهما، إذا عمل عملًا غير المعصية التي هم أو حدث نفسه بها؟
أما إن كان ذلك العمل أجنبينا= لا ارتباط له بها بالكلية، كمن هم بالزنا ثم أكل حرامًا، فلا ريب في عدم المؤاخذة بذلك الهم. وإن كان من مقدمات المعصية، كمن هم بالزنا بامرأة مقابلة، فمشى إليها، ثم رجع من الطريق فهذا موضع السؤال.
قال الشيخ في (شرح المنهاج) في كتاب (إحياء الموات) : إنه ظهر له المؤاخذة من إطلاق النبي صلى الله عليه وسلم العمل، وكونه لم يقل: (أو يعمله) ، قال: فيؤخذ منه تحريم المشي إلى معصية، وإن كان المشي في نفسه مباحًا، لكن صار حرامًا، لانضمام قصد الحرام إليه، فكل واحد من المشي والقصد لا يحرم عند انفراده، أما إذا اجتمعا، فإن مع الهم عملا ًلما هو من أسباب المهموم به، فاقتضى إطلاق (أو يعمل) المؤاخذة به. كذا ذكر في (شرح المنهاج) : ثم قال: فاشدد بهذه الفائدة يديك، واتخذها أصلًا يعود نفعه عليك.
وذكر في كتاب (الحلبيات) : أن قوله صلى الله عليه وسلم (( أو يعمل ) )ليس له مفهوم حتى يقال: إنها إذا تكلمت أو عملت، يكتب عليها حديث النفس، لأنه إذا كان الهم لا يكتب فحديث النفس أولى، انتهى )) .
وهذا خلاف ظاهر الحديث، وخلاف ما ذكرناه في (جمع الجوامع) ، ويلزم منه: أن لا يؤاخذ عند انضمام عمل من مقدمات المهموم به بطريق أولى؛ لأنا إذا لم نؤاخذه بحديث النفس وإن انضم إليه عمل المهموم به، فلأن لا نؤاخذه وما انضم إليه إلاَّ مقدمة من مقدماته أولى وأحرى.
وقد يقول الشيخ الإمام: أنا لا أؤاخذه بحديث النفس رأسًا، وإنما أؤاخذه بالعمل سواء كان عملًا لمقدمة من مقدمات المهموم به، أو للمهموم به نفسه.
ولكنا نقول له: تلك المقدمة لم تكن معصية، لولا حديث النفس، كما ذكرت، فلا نقطع النظر عنها، فالأرجح عندي المؤاخذة بحديث النفس عند انضمام العمل بالمهموم به نفسه.
وقول الشيخ الإمام: (إذا كان الهم لا يكتب فحديث النفس أولى ممنوع) ، فلسنا نسلم له أن الهم لا يكتب له مطلقًا، وإنما لا يكتب عند عدم انضمام العمل إليه.
وأما ما ذكره في (شرح المنهاج) ، من المؤاخذة بالمقدمة إذا انضمت إلى حديث النفس لإطلاق قوله عليه الصلاة والسلام (( أو يعمل ) )فحسن، لو لم يقيد في حديث آخر، لكن جاء في رواية أخرى في الصحيحين (( أو يعمل به ) )ويظهر عندي أن