الصفحة 35 من 76

فقلت: هذا عجيب فإنا لو حذفنا (قيل) الأول، لكنا مصرحين باختيار هذا القول، ونحن لم نفصح باختيار واحد من القولين، والقدر المشترك بين القولين الفعل في وقت الأداء، ولا بد من خصوصية، قيل: هي الفعل لخلل واقع في الأولى، وقيل: لأعم من الخلل، وهو مطلق العذر، فعلى هذا الصلاة المكررة معادة، والمكررة في اصطلاح الفقهاء ما لم تسبق بذات خلل.

وقولكم: (لو زاد وقال: المكررة بالجماعة كان أولى ... إلى آخره) .

قلنا: المرد المكررة لعذر، لا مطلق المكررة، لأنا قد قلنا: إن أحدًا لم يقل إن الإعادة مطلق فعله في وقت الأداء، بل فعله فيه إما لخلل وإما لعذر. وعلى أنا لا نسلم أن من أعاد الصلاة لا لعذر لا يسمى معيدًا ولا تسمى إعادة، فلم قلتم؟

فقال في جواب الجواب: لا يجوز أن تسمى المكررة لا لعذر معادة.

قلت: وهذه دعوى بلا دليل.

التصور والتصديق:

ومنها: على قولنا: (والإدراك بلا حكم تصور ... إلى آخره) .

جعل الشك والوهم من أقسام التصديق، مع أنهما مما لا اعتقاد ولا حكم فيهما، ولذلك قال ابن سيناء=: (إذا قلت: البياض لون. وشككت فيه، كان من قبيل التصور) ، ومعنى التصور أنك تصورت البياض واللون وصورة التأليف بينهما.

فقلت: قول ابن سيناء مما لا نوافقه عليه؛ فإن قولك: البياض لون: مبتدأ وخبر، محمول وموضوع، ومعناه: الحكم على البياض باللونية، ولذلك يقبل التصديق والتكذيب.

نعم، هنا بحث، وهو: أن الشاك لا يحكم، وإلاَّ يلزم أن يكون مرجحًا لأحد الطرفين من غير مرجح، ومعتقد المرجوحية لا يحكم برجحانها، وإلاَّ يلزم الحكم بالمرجوح مع اعتقاد الراجح، وهو خلاف المعقول والمشروع.

ولا يلزم من عدم الحكم في هذين القسمين لمن شك أو اعتقد المرجوحية، عدم الحكم إن ظن المرجوح أو المساوي راجحًا، فحكم به، ونحن كلامنا فيمن ظن المرجوح أو المساوي راجحًا فحكم به، فذلك ذو الوهم والشك.

فقال في جواب الجواب: إذا كان الكلام في ذلك فينبغي أن يقتصر على قوله: (وغير الجازم ظن) ولا يخفى ضعف هذا، فإن غير الجازم إذا كان معه حكم فمعه ظن، والظن قد يوافق الراجحية في نفس الأمر، وقد يخالفها، وقد يستوي الأمران، فلا بد من ذكر الأقسام لاستيعاب القسمة العقلية.

على أن هذا كله بتقدير أن نسلم للسائل أن الضمير في قولنا (وجازمه) عائد على التصديق، وقد يقال: هو عائد على الإدراك. ومن الإدراك تصديق وغيره، لكن في هذا بحث، وهو: أن المدرك قد لا يكون عنده شيء من الأقسام: أعني الظن والشك والوهم، فلينظر في ذلك.

دلالة اللفظ على معناه:

ومنها: على قولنا: (دلالة اللفظ على معناه ... إلى آخره) .

قال: ينبغي أن يقول بدل (على) : (في) ، كما صنع ابن الحاجب.

فقلت: هذا عجيب. فإن (دلّ) لا يتعدى إلاَّ بـ (على) ، و (في) معناها الظرفية.

فإذا قلت: دل هذا في هذا، فالمعنى بهذا الثاني أنه ظرف لدلالة هذا الأول.

أما ما دل على هذا الأول، فلا تعرض في اللفظ إليه، ولذلك يصح قولك دل هذا، في هذا، على هذا، كما تقول دل الخاتم في الأصبع على التزين، والمبحوث عنه في الدلالات الثلاث المدلول عليه لا فيه، وينبغي حمل (في) الواقعة في كلام ابن الحاجب على معنى (على) ليرد إلى ما ذكرناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت