الصفحة 38 من 76

أما الصورة الواحدة في الشخص الواحد في الوقت الواحد فهي جزئية، فلو وضع لها اسم بخصوصها كان علمًا ولم يكن من أسماء الأجناس. وكذلك الصورة الخارجية الواحدة، لو وضع لها اسم كان علمًا كزيد وبكر. وكلامنا إنما هو في أسماء الأجناس. انتهى.

ثم تكلم على الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس، ثم ذكر أن بحثه عنه وقع استطرادًا، وأن مقصوده مسألة أن اللفظ بإزاء ماذا وضع؟ وأنه محتمل للمعاني الثلاثة المذكورة، وأن اختياره للمعنى الأول منها إما أن يكون قولًا مستقلًا له اخترعه، وإما أن يرد إليه كلام الإمام. ثم شرع في تقرير اختياره بما لا نطيل بذكره، وستتضمن المسألة الثانية بعضه.

وأما الثانية فقولنا: (والعلم ما وضع لمعنى لا يتناول غيره) تعريف لأعم من علم الشخص - الذي لم يقل أحد بأنه غير موضوع لمسماه، بل هو موضوع لمسماه الخارجي قطعًا وإجماعًا - وعلم الجنس.

وقولنا: (فإن كان التعيين خارجيًّا فعلم الشخص ظاهر، وقولنا:(وإلاَّ فعلم الجنس) يعني: وإلاَّ يكن التعيين خارجيًّا فهو علم الجنس، وغير الخارجي المتعين هو الذهني.

فالمتعينات قسمان: ذهني، وخارجي. والقدر المشترك بينهما: الماهية من حيث هي، وهي اسم الجنس، وإليه الإشارة بقولنا: (وإن وضع للماهية من حيث هي فاسم الجنس) . فعلم من هذا: أن موضوع اسم الجنس الماهية من حيث هي أعم من كونها في الذهن أو الخارج.

وعلم الجنس الموضوع لها: من حيث هي في الذهن. ولا أقول بقيد كونها في الذهن؛ لأني لو قلت ذلك، للزمني أن يكون استعمال علم الجنس كأسامة في شخص من مشخصاته مجازًا، وأنا لا أقول ذلك، وإنما أقول: إن الواضع في علم الجنس لاحظ له صورة ذهنية تستوي الأشخاص كلها بالنسبة إليها، وفي اسم الجنس لاحظ أعم من ذلك.

وهذا فرق لطيف بين اسم الجنس وعلم الجنس، وهو في الحقيقة منتزع من كلام الشيخ الإمام المحكي آنفًا، وقد أكثر الناس البحث عن الفرق بينهما، وظاهر كلام سيبويه أنه لا فرق في الحقيقة، وإنما العرب أجرت على أسامة ونحوه حكم الأعلام، قال سيبويه رحمه الله: (هذا باب من المعرفة يكون الاسم الخاص فيه شائعًا في أمته، ليس واحد منها أولى به من الأَخر، ولا يتوهم به واحد دون آخر له اسم غيره، نحو قولك للأسد:(أبو الحارث، وأسامة) ، وللثعلب: (ثعالة، وأبو الحصين) وذكر من هذا النوع أسماء، وفرق بين أسامة وزيد، بأن زيدًا قد عرفه المخاطب بحليته أو بأمر قد بلغه، وإذا قال أسامة فإنما يريد هذا الأسد، ولا يريد أن يشير إلى شيء قد عرفه بعينه قبل ذلك، كمعرفته زيدًا، ولكنه أراد هذا الذي هو كل واحد من أمته له هذا الاسم.

وقال شيخنا أبو حيان: (رام بعض من يميل إلى المعقول، ويريد أن يجري القواعد على الأصول، أن يوجه لأسامة ونحوه وجهًا يدخل به في المعارف، فقال: يقال إن أسدًا وقع ليدل على شخص معين، وذلك الشخص المعين لا يمنع أن يوجد منه أمثال، فوضع على الشياع في جملتها، ووضع أسامة لا بالنظر إلى شخص معين، بل وضع على معنى الأسدية المعقولة التي لا يمكن أن توجد خارج الذهن بل هي موجودة في النفس، ولا يمكن أن يوجد منها اثنان أصلًا في الذهن، ثم صار أسامة يقع على الأشخاص، لوجود ما هو ذلك المعنى المفرد في كل الأشخاص، وهذا الذي رام هؤلاء بعيدٌ عما تقصده العرب، وسيبويه والمستقرؤون لهذا الفن العربي أعرف بأغراض العرب، ومناحيها في كلامها، وقد ذكروا أن هذه الأسماء شائعة شياع النكرات، وأنها عوملت معاملة المعارف لفظًا، فأطلق عليها معارف لذلك، انتهى) .

فأما هذه التفرقة التي حكاها عن بعض أرباب المعقول فإنا لا نوافق عليها، لأن قضيتها أن يكون الوضع للصورة الذهنية، فيكون استعمالها في الخارج مجازًا، وفرق بين إلقاء الوضع على ما في الذهن بقيد كونه في الذهن، وإلقائه على ما في الذهن لا بقيد كونه في الذهن، فافهم ما يلقى إليك. وأما دعواه عدم التفرقة فسنتكلم عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت