الصفحة 56 من 76

فقلت: هذه سبع سؤالات:

أما الأول: فأقول: اعلم أن المعارضة تطلق ويراد بها شيئان:

أحدهما: الإتيان بوصف يقتضي مقابل ما اقتضاه وصف المستدل، كما إذا اعتل بوصف يقتضي التحريم، فيعارضه بوصف، يقتضي الجواز. وهذا هو المعنى في قولنا: (المعارضة في الفرع بما يقتضي نقيض الحكم) كما ذكرناه في السؤال الماضي.

والثاني: الإتيان بعلة صالحة لأن يتعلق بها في الحكم، كما صلحت علة المستدل. وينشأ الخلاف عنهما في الفرع لا في الأصل، وإلى هذا الإشارة بقولنا: (وصف صالح للعلية، كصلاحية وصف المعارض غير مناف) -أي في الأصل- (ولكن يؤول إلى الاختلاف) ، أي: بين المتناظرين في الفرع المعقود له مجلس المناظرة، وقد أوضحنا ذلك بالمثال، وتقريره: أنهما إذا اتفقا مثلًا على كون البر ربويًّا واعتل أحدهما بالطعم، وبيَّن وجه مناسبته، كان للمعترض أن يقول: (لم لا تعلقت بالكيل وهو أيضًا مناسب) ؟ ويبين ذلك. وإذا لاحت مناسبتهما وضح أن التعلق بأحدهما وترك الآخر تحكم. فإذا قال الشافعي: التفاح ربوي قياسًا عل البر بجامع الطعم، كان للمعترض أن يقول: إن العلة الطعم، وجاز أن تكون الكيل، فلا يكون التفاح ربويًّا فآل اعتراضه إلى النزاع في الفرع.

إذا عرفت هذا فالقدر المشترك بين المعارضتين الإتيان بوصف يمنع ثبوت الحكم المدعى في الفرع، ثم قد يكون منافيًا مطلقًا وهو الأول، وقد لا ينافي وهو الثاني.

واعلم أنه ليس من شرط المعارضة أن يأتي بوصف تكون مناسبته أو شبهه مساويًا لمناسبة أو شبه وصف المستدل، بل يجوز كونه دونه من المناسبات والشبه إذا اشتركا في أصل المناسبة والشبه، فلا يفهم من قولنا (كصلاحية وصف المعارض) أنه مساوٍ له من كل وجه. بل المراد أصل المساواة في صلاحية التعليل. نعم إذا عارض بوصف لا يكون مساويًا من كل وجه، فللمستدل الدفع بأن وصفه أنسب وأخيل، وأكثر شبهًا إذا كان القياس شبهًا.

لا يجوز التعلل بعلتين:

وهذا عندنا بناءً على منع تعدد العلل، فإنا لا نجوز التعليل بعلتين.

فمتى كان وصفان صالحان للعلية، تعلقنا بأولاهما، وحذفنا الأخر عن درجة الاعتبار، وإلى ذلك الإشارة بقولنا: (ويكفي رجحان وصف المستدل بناءً على منع التعدد) ، أي: تعدد العلل، وأشرنا بهذا البناء إلى أن من يُجَوِّز التعليل بعلتين لا يكتفي بذلك.

وقد صرَّح بذلك ابن الحاجب فقال: (ولا يكفي رجحان المعنى) ، أي: لا يكفي في جواب المعارضة كون الوصف المعين راجحًا على وصف المعترض.

النفي في اللغة له معنيان:

وأما الثاني: فسمعت الشيخ الإمام الوالد رحمه الله يقول - ورأيته في أجوبته عن الأسئلة الأصولية التي سألته أنا عنها: (النفي له في اللغة معنيان:

أحدهما: فعل الفاعل للنفي، فتقول: نفيت الشيء فانتفى. وهذا هو أظهر المعنيين.

والثاني: نفس الانتفاء، فنقول: (نفي الشيء) ، هكذا سمع في اللغة، وعلى هذا المعنى الثاني يكون النفي والإثبات نقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان. ويكون المراد بالإثبات الثبوت كما أن المراد بالنفي الانتفاء.

وأما إذا أردت بالنفي نفيك للشيء، وبالإثبات إثباتك له، فيكونان ضدين لا نقيضين؛ لأنك قد لا تنفي ولا تثبت. انتهى).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت