فهرس الكتاب
فعلم أن أظهر معنيي النفي فعل الفاعل، فقولنا: (وفي لزوم نفي الوصف) ، أحسن من قول غيرنا: (بيان نفي الوصف) ، لأنه أراد بالنفي الانتفاء وأظهر معنييه خلافه، ونحن أردنا أظهر معنييه، ولذلك لم نحتج إلى لفظة (بيان) فكان أخصر وأحسن. ولا يقال: (لعل غيركم أراد بالنفي فعل الفاعل) ؛ لأنه لو أراد ذلك لم يحتج إلى لفظة بيان، بل كانت حشوًا.
وأما الثالث: فمعناه: إن صرح بالفرق لزمه، لأنه إذا صرح به فقد التزمه، فعليه الوفاء به، جريًا على قضية التزامه.
واعلم أنا وغيرنا كثيرًا ما نطوي في حكاية المسألة المشتملة على مذاهب ذكر ثانيها، وكذا ذكر الأول، إذا لم يكن المختار، لدلالة لفظ الثالث عليهما، ثم إذا صرح بالأول وكان الثالث مفصلًا فتارة يشار إلى قيد في الأول، وتارةً إلى قيد في الثاني، وإنما يظهر ذلك بالسياق والتأمل.
فقولنا مثلًا في باب النسخ: (وبالقياس. وثالثها: إن كان جليًّا، والرابع: إن كان في زمنه عليه الصلاة والسلام، والعلة منصوصة) ، معناه: ويجوز النسخ بالقياس على الأصح، والثاني: لا يجوز مطلقًا، والثالث: يجوز إن كان جليًّا. (وليس المعنى لا يجوز إن كان جليًّا) فإنه لا يقول أحد: يمتنع بالجلي، ويجوز بالخفي. وإنما المقول عكسه.
وكذا لا يقول أحد: يجوز في غير زمن النبي صلى الله عليه وسلم بالمستنبطة دون زمنه بالمنصوصة.
وقولنا مثلًا هنا: (ولا يلزم المعترض) إلى قولنا: (وثالثها إن صرح بالفرق عكس ذلك) ، والمعنى: ولا يلزم المعترض نفي الوصف على الصحيح، والثاني: يلزمه، والثالث: يلزمه إن صرح بالفرق. وأطلقنا القول لدلالة السياق عليه، فإنه لا يقول أحد يلزمه إذا لم يصرِّح بالفرق دون ما إذا صرَّح، وإنما يقال بالعكس، أو مطلق اللزوم أو عدمه.
فإن قلت: فهلا جريتم على منوال واحد؟ قلت: رعاية الاختصار تمنع من ذلك. فإنك إذا تأمَّلت هذه الأماكن بأسرها، وجدتنا لا نخص واحدًا من الأمرين بالاعتبار إلاَّ لكونه أخصر في ذلك المكان، وهذا فن من البلاغة لا يماري فيه إلاَّ سفيه.
وأما الرابع: فأقول: المعنى بالقدح هنا إفساد العلة بطريق من طرق إفسادها. وليس المعنى به مطلق القدح في الدليل كما عرفناه في قولنا: (القوادح: منها النقض ... ) إلى آخره. والدفع أعم من القدح، لأنه قد يكون بالقدح في العلة، وقد يكون بمنع وجودها في الفرع مثلًًا، أو غير ذلك من دوافع القياس، مع تسليم أن العلة صحيحة.
وقد بيَّنا في (شرح المختصر) أن الاعتراضات - وإنْ أكثر الجدليون القول فيها فحاصلها - سبعة.
الأول: طلب الإفهام: وهو الاستسفار.
الثاني: أن القياس هل يسوغ في ذلك إذ ليس كل مقام يصح أو يمكن فيه القياس. فإن منع تمكنه من القياس مطلقًا، فهو فساد الاعتبار، أو قياسه المخصوص. وقال: وضعه في غير موضعه فهو فساد الوضع. وهذان الاعتراضان يطرقان جملة قول المستدل، أعني: قياسه المركب من فرعه المتنازع فيه، والأصل، والعلة التي جمع بها. وثَمَّ اعتراضات خمسة خاصة، وذلك لأن المستدل عليه تفهيم المعترض كلامه، وإلاَّ فعلام يعترض؟ ومن ذا يناظر؟ وهذا مقام الاستفسار. ثم إذا اندفع في القياس فلا بد أن يتمكن منه، وهذا مقام فساد الاعتبار، وفساد الوضع. ثم إذا تمكن من القياس فعليه تبيين مقدماته، ليتبين مراده، وهي حكم الأصل وعلته، وثبوتها في الفرع. وليكن ذلك على وجه يستلزم غرضه، من الثبوت في الفرع لئلا يضيع غرضه. وليكن ذلك الحكم مطلوبه الذي ادعاه، وأتى بالدليل لأجله.
إذا عرفت هذا: فنقول: قد عرفت الأمرين الواردين على القياس بجملته.
الثالث: ما يراد على المقدمة الأولى من القياس، وهو دعوى حكم الأصل. ولا مجال للمعارضة فيه؛ لأنه غصب لمنصب الاستدلال، فتعين المنع، إما ابتداء وهو منع حكم الأصل، أو بعد تقسيم وهو التقسيم.
الرابع: ما يرد على المقدمة الثانية، ونعني بها: دعواه أن الحكم معلل بكذا، وذلك بمنع وجوده.