الصفحة 59 من 76

قولنا: (إذا لم يتعرض للتعميم) هذا قيد في هذا الرابع، أي: بشرط أن لا يتعرض للتعميم، وإلاَّ فتستحيل صورة المسألة؛ لأنه لو تعرض للتعميم لكان مثبتًا للحكم بالنص لا بالقياس، فيخرج عما نحن فيه.

طرق دفع المعارضة:

وقد تحرر بهذا اندفاع المعارضة بطريقين عامين وهما: المنع والقدح، وبطريق يختص بما إذا لم يكن القياس سبرًا، وهو ثالث، وبطريقٍ بشرط أن لا يتعرض فيه للتعميم، لئلا تستحيل صورة المسألة، وهو الرابع.

وهذا هو السر في إتياننا بحرف الجر في الثالث والرابع، حيث قلنا: (وبالمطالبة وببيان) وعدم إتياننا به في القدْح.

وأما الخامس: فالضمير في (أنه) عائد على المستدل، وتقرير هذا أن المستدل إذا قال: ثبت الحكم في صورة مع انتفاء هذا الوصف الذي عارضتني به، فتارةً يأتي بصورة مشتملة على الوصف الذي ادعى أنه العلة، وتارةً يأتي بصورة لا تشتمل عليه، فإن كان الأول فهو كاف، لأنه في الحقيقة قادح في وصف المعترض لعدم الانعكاس، والعكس عندنا شرط بناءً منا على منع تعدد العلل، وإن كان الثاني لم يكفِ لأنه كما تفسد علة المعترض، كذلك تفسد علة المستدل، لأن الانعكاس لازم لهما، لوجدان الحكم بدون وصفيهما، وعندي أن المستدل ينقطع حينئذٍ بإيراد الصورة المشار إليها، لاعترافه بعدم انعكاس علته.

أما على رأي مانع علتين فواضح، وأما على رأي مجوزهما فلأنه بإيراد الصورة - التي لم تشتمل لا على وصف المعترض ولا على وصفه - معترف بأنها قادحة، وإلاَّ لم يكن لإيراده إياها وجه. وقدحها في وصفه كقدحها في وصف المعترض سواء، فإذا قدح بها وصف المعترض كان معترفًا ببطلان وصفه، وذلك عين الانقطاع، وقد أشرنا بقولنا: (إذا لم يكن معه وصف المستدل) ، إلى أنه يكفي إذا كان معه، فيشتمل كلامنا على الصورتين اللتين أشرنا إليهما.

وقولنا: (وقيل: مطلقًا) ، يعني: قيل: إنه لا يكفي مطلقًا، سواء اشتملت الصورة التي أوردها على وصفه أو لم تشتمل، وهذا ظاهر إطلاق ابن الحاجب، حيث قال: (ولا يكفي إثبات الحكم في صورة دونه، لجواز علة أخرى.

العلة القاصرة كالمتعدية في التعليل:

وأما السادس: فللمستدل إلغاء الخلف وإخراجه عن درجة الاعتبار بما شاء من الطرق المصححة إلاَّ طريقين:

أحدهما: عام لكل مستدل، وهو دعوى أن الخلف الذي ذكره المعترض قاصر. فإن قصوره لا يخرجه عن كونه صالحًا للعلية، لجواز التعليل بالقاصرة، ولكونها مساوية للمتعدية؛ إذا لا تترجح العلة بتعديها، والخلاف فيها معروف: أما التعليل بالقاصرة فقد قدمناه في القياس. وأما في أنه هل يترجح المتعدية أو القاصرة أو يستويان؟ فذكرناه في باب الترجيح.

والثاني خاص بمستدل سلم وجود المظنة فلا يفيده أن يقول: (الوصف الذي عارضتني به ضعيف المعنى) ، لأن ضعف معناه لا يضر، بعد ثبوت المظنة التي بها التعليل، وهذا مقرر في (شرح المختصر) ، وإلى الطريقين الإشارة بقولنا: (بغير دعوى قصوره أو دعوى من سلم وجود المظنة ضعف المعنى) ، أي: فإنه لا إلغاء بهذين. وقولنا (خلافًا لمن زعمهما إلغاء) ، أي: زعم أن دعوى القصور إلغاء. وهذا من قائله إما بناء على أن التعليل بالقاصرة باطل، إن كان يعتقد ذلك، أو على أنها دون المتعدية عند التعارض، وأن رجحان وصف المستدل كافٍ في دفع المعارضة، وزعم أن تسليم وجود المظنة شيء لا يدفع الإلغاء لضعف المعنى وهو مذهب ضعيف.

وأشرنا بقولنا (زعمهما إلغاء) إلى أن أحدًا لا يقول: إنهما غير إلغاءٍ.

ويجوز للمستدل ذكرهما وإنما يجوز للمستدل ذكرهما ويجعلهما دافعين للخلف من يعتقدهما إلغاء، فعاد الخلاف إلى أنهما هل هما إلغاء أو لا؟ فمن قال: (هما إلغاء) ادعاهما مفسدين للإلغاء، ومن قال: (ليسا بإلغاء) لا يمكنه إلاَّ دعوى عدم قبولهما، لعدم فائدتهما، و (ما) في قولنا (ما لم يلغ المستدل) مصدرية أي مدة عدم إلغاء المستدل الخلف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت