فهرس الكتاب
وأما الاكتفاء برجحان وصف المستدل على وصف المعترض في دفع المعارضة فهو اختيارنا، بناء على منع تعدد العلل: كما ذكرنا في الكتاب.
وابن الحاجب اختار أنه لا يكفي، وذلك بناء منه على جواز اجتماع علتين على معلول واحد، فكل منا جرى على أصله.
واعلم أن قولنا: (وزالت فائدة الإلغاء ما لم يلغ المستدل ... ) إلى آخره، أحسن وأوضح من قول غيرنا، (وفسد الإلغاء) ؛ لأن الإلغاء لا يفسد، بل هو صحيح.
وإذا أتى المعترض بخلفه فذلك اعتراف منه بصحته ولكن إتيانه بخلفه يزيل فائدته التي هي سلامة وصف المستدل، لأنه ينصر المعترض، ولا يخفى عليك أن الخلف من المعترض تارة يكون وصفًا مستقلًا غير الوصف الذي عارض به أولًا، وتارة يكون قيدًا فيه زائدًا، وتارة يكون بنقصان قيد فيه، وهذا لأن المعارضة قد تكون بوصف مستقل كالكيل للطعم، أو بقيد زائد، أو بنقص قيد كما ذكرناه في (شرح المختصر) .
وأما قولنا في هذا الفصل: (ولا إبداء أصل على المختار) فأحسن من قول غيرنا: (والمختار لا يحتاج إلى أصل) لأن المفهوم من ذلك أنه لا يفتقر إليه، فتقبل منه المعارضة، وإن لم يعتضد بأصل، وهذا لا يصير ولا يقول به أحد؛ فإن الوصف إن لم يكن له أصل يشهد له بالاعتبار لا تصح المعارضة به، وإنما الخلاف في أنه: هل يلزمه إذا عارض إبداء الأصل الذي إليه استناده والبوح به في مجلس المناظرة، أو لا يلزمه ذلك؟
المختار عندنا وعند ابن الحاجب وهو مراده بقوله: (لا يحتاج إلى أصل) أنه لا يلزمه لأنه ليس بمدع بل معترض، ووظيفة المعترض الهدم لقاعدة المستدل لا بناء قاعدة لنفسه، وإلاَّ يلزم غصب منصب الاستدلال، وقيل: يلزمه. وهو ضعيف.
والمسألة مقررة في (شرح المختصر) ، ولا زيادة بجمع الجوامع على المختصر فيها إلاَّ تغييره العبارة، حيث وضع لفظ الإبداء، موضع لفظ الاحتياج، وسره ما أبديناه.
وأما الاعتراض باختلاف جنس المصلحة وجوابه، فقد قررناه في (شرح المختصر) . وأنت إذا تأملت هذا الفصل في (جمع الجوامع) ، عرفت اشتماله من الاعتراضات الجدلية، على المعارضة، وتدخل فيها التعدية لأنها معارضة (خاصة) وتعدد الوضع، واختلاف جنس المصلحة، فلا تطالبني في باب القوادح بذكر شيء من ذلك؛ لأني قد قدمته هنا فكيف أكرره؟ والكتاب شأنه الاختصار، والفرار من التكرار. وبه يفهم أيضًا أن تعدد الوضع، واختلاف جنس المصلحة ضربان من المعارضة، وكذلك التركيب، وقد نبه عليه ابن الحاجب فأغنانا الله بتقديم هذا هنا عن إعادة الكلام في هذه الأمور.
التعارض والتراجيح:
ومنها: على قولنا في باب الترجيح (وأن العمل بالمتعارضين ولو من وجه أولى من إلغاء أحدهما ولو سنة قابلها كتاب، ولا يقدم الكتاب على السنَّة، ولا السنَّة عليه خلافًا لزاعميهما) ، انتهى.
قيل: قولكم: (ولو سنَّة قابلها كتاب) إلى آخره: هو قولكم بعد: (والأصح تساوي المتواترين من كتاب وسنةَّ، وثالثها تقدم السنَّة) ، لقوله: {لتبين} . انتهى).
فقلت: لا، بل هذا فيما إذا تقابل الكتاب والسنَّة كانت السنَّة متواترة أم آحادًا، وأمكن الجمع من وجه، فإنه لا يلغى أحدهما وإن كان مرجوحًا، لإمكان إعمالهما:
ومن الناس من أنكر الجمع بين الدليلين مطلقًا، وهو رأي مردود، ومنهم من قال: هذا فيما إذا لم يكن سنَّة قابلها كتاب، فإن كان قدم الكتاب، ومنهم من عكس، وقال: بل تقدم السنَّة لأنها بيان، فهذان القائلان يعتل أحدهما بأن الكتاب