الصفحة 61 من 76

أرجح والآخر بأن السنَّة مبينة، ويمثلون بقوله صلى الله عليه وسلم في البحر: (( الحل مييته ) )، فإنه عام في ميتة البحر مطلقًا، سواء خنزيره وغيره، مع قوله تعالى: {أو لحم خنزير} فإنه يقتضي تحريم كل لحم خنزير، سواء خنزير البحر وغيره، فيتعارض عموم السنَّة والكتاب في الخنزير.

فمنهم من يقدم الكتاب ويحرمه، ومنهم من يقدم السنَّة ويحلله، ومنهم من يقول: ينظر، فإن أمكن الجمع ولو من وجه واحد، جمعنا، وإلاَّ قضينا بالتقابل. ونقول إذ ذاك: يقدم الكتاب إن كانت السنَّة آحادًا، وإن كانت متواترة أيضًا.

فهذه المسألة التي ذكرناها أخيرًا في الترجيح بقولنا: (والأصح ت ساوي المتواترين إلى آخره) ، فالأصح ما ذكرناه من التساوي، والثاني يقدم الكتاب وطوينا ذكره لوضوحه. والثالث تقدم السُّنَّة؛ لقوله تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} ، وإنما ذكرنا علته لأنه قول غريب، لا وجود له في الكتب المشهورة بين أيدي الناس.

شروط مفهوم المخالفة:

ومنها: على قولنا في المفهوم: (وشرطه أن لا يكون المسكوت ترك لخوف ونحوه، ولا يكون المذكور خرج للغالب خلافًا لإمام الحرمين، أو لسؤال، أو حادثة، أو للجهل بحكمه، أو غيره مما يقتضي التخصيص بالذكر، ولا يمنع قياس المسكوت بالمنطوق، بل قيل: يعمه المعروض، وقيل: لا يعمه إجماعًا. انتهى.

قيل: علام يعود الضمير في قولكم: (ولا يمنع) ؟ وكيف حكيتم قولًا بالتعميم والإجماع في مقابله (وما المعروض؟) .

فقلت: أما الضمير فعائد على (ما) في قولنا لا (بما) يقتضي التخصيص.

والمعنى أن شرطه أن لا يكون هناك شيء من الأسباب التي تقتضي تخصيص القيد بالذكر، ولا يمنع أن يقاس المسكوت على المنطوق، ولا يخفى ما في هذا من حسن اللفظ في مقابلة المقتضي بالمانع وهما متقابلان، فهو نوع من المطابقة، مع ما فيه من الإثبات أولًا والنفي ثانيًا وهو فن من البلاغة، ولك أن تجعل الضمير في (يمنع) عائدًا على التخصيص بالذكر، والمعنى: ولا يمنع التخصيص والحالة هذه بالذكر أن يلحق المسكوت بالمنطوق، إذا اقتضى القياس إلحاقه. وقد استفيد من هذا مسألة حسنة، وهي: أنا حيث لا نجعل القيد مخصصًا، فهل نقول: إن ما وراء ذي القيد كالمعلوفة في قولنا: (الغنم السائمة) داخل في عموم قولنا: (الغنم) وأن وجود لفظ السائمة كالعدم، إذ لا تأثير له في منع المعلوفة من الدخول تحت عموم (لفظ الغنم) ، أو نقول: إنه منع دخوله تحت العموم، وبقي مسكوتًا عنه كما كان، إذ لا مفهوم ينفيه ولا لفظ يقتضيه.

الحق الثاني: وادعى فيه بعضهم الإجماع، وهو قضية قول ابن الحاجب في أثناء المسألة (وأجيب: بأن ذلك فرع العموم) ، ولا قائل به:

وقال بعضهم بالأول، وإلى ذلك الإشارة بقولنا: (بل قيل يعمه المعروض) وأشرنا بقولنا: (إجماعًا) في قولنا: (وقيل لا يعمه إجماعًا) إلى أن هذا القول قد ادعى قيام الإجماع عليه، فيكون ما وراءه خارقًا للإجماع، ولا فائدة في قولنا: (وقيل: لا يعمه إجماعًا) ، إلا التنبيه على ذلك، وإلاَّ ففي قولنا: (ولا يمنع قياس المسكوت بالمنطوق) ما يعرفك أن الإلحاق به قياسًا سائغ، وبهذا خرج الجواب عن قولكم: (كيف حكيتم قولًا بالتعميم والإجماع في مقابله) ؟

وتحريره أنا لم ندع قيام الإجماع على مقابله (بل) نقلنا أن بعضهم ادعى ذلك.

وأما المعروض فهو اللفظ العام، وهو قولنا: (الغنم) مثلًا في قولنا: (الغنم السائمة) ، إذ لفظ السائمة عارض له، وإنما قلنا المعروض، ولم نقل الموصوف، لأنا لو قلنا الموصوف لأوهم اختصاص ذلك بمفهوم الصفة وهو لا يختص به، إذ هذه الأمور تمنع القول بالمفهوم في لفظ الصفة والشرط وغيرهما، ولم نقل المقيد، لأن من يدعي أن اللفظ عام، أو أنه لا ينافي العموم فيجوز الإلحاق به قياسًا، لا يسلم وجود قيد، ويقول: لفظ السائمة ليس قيدًا، لأنه ما جاء للتقييد وإنما خرج لغرض وراء التقييد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت