الصفحة 62 من 76

العام لا يخصص بمذهب الصحابي:

ومنها: قيل: ذكرتم في التخصيص أن العام لا يخصص بمذهب الصحابي، حيث قلتم: (ومذهب الراوي، ولو صحابيًّا) ، ثم قلتم في الكتاب الخامس: (قول الصحابي على الصحابي غير حجة وفاقا، وكذا على غيره، قال الشيخ الإمام:(إلاَّ في التعبدي) ، وفي تقليده قولان، لارتفاع الثقة بمذهبه، إذ لم يدون، وقيل: حجة فوق القياس، فإن اختلف صحابيان فكدليلين)، وقيل: دونه، وفي تخصيصه العموم قولان، وقيل: إن انتشر، وقيل: إن خالف القياس، وقيل: إن انضم إليه قياس تقريب، وقيل: قول الشيخين فقط، وقيل: الخلفاء الأربعة، وعن الشافعي إلاَّ عليَّا، أما وفاق الشافعي زيدًا في الفرائض فلدليل، لا تقليدًا. انتهى.

فقد كررتم المسألة، وما معنى تقليده غير كون قوله حجة؟ وما وجه استثناء الشيخ الإمام والدكم رحمه الله التعبديات، من كون قول الصحابي غير حجة؟ وما تقرير وفاق الشافعي زيدًا؟

فقلت: أما الأول: فالمتقدم في التخصيص أن مذهب الراوي لا يخصص ولو كان الراوي صحابيًّا، وهذا سواء أكان قوله حجة أم لا؟ والذي ذكرناه هنا: أنه إن فرعنا على أن قوله حجة دون القياس، ففي تخصيص العموم به قولان: وهذا سواء أكان الصحابي راويًا أو لم يكن، وقد حكيناهما وجهين في (شرح المختصر) . ووجه كونه لا يخصص وإن كان حجة أنه محجوج بالعموم وأن الصحابة كانت ترجع إلى العمومات ويتركون به اجتهادهم.

الصحابي لا يُقَلَّد:

وأما الثاني: فإنه لا يلزم من كون قوله غير حجة أن لا يقلد: ألا ترى إلى المجتهدين فإنهم يقلدون وليست أقوالهم بحجة. فمجتهد الصحابة إذا لم يجعل قوله حجة في تقلديه خلاف:

ذهب إمام الحرمين وغيره إلى أن العامي لا يقلده، قالوا: وليس هذا لأنه دون المجتهد من غير الصحابة معاذ الله؛ فهم أجل وأعظم قدرًا. قالوا: بل لأن مذاهبهم لا يوثق بها، فإنها لم تثبت حق الثبوت، كما ثبتت مذاهب الأئمة الذين لهم أتباع قد طبقوا طبق الأرض، ودونوا مذاهبهم فأيقنت بها القلوب.

وبهذا جزم ابن الصلاح في كتاب (الفتيا) ، وزاد: أنه لا يقلد التابعي أيضًا ولا غيره ممن لم يدون مذهبه، وإنما يقلد الذين دونت مذاهبهم.

التقليد منحصر في الأئمة الأربعة:

قلت: فعلى هذا ينحصر التقليد في الأئمة الأربعة، والأوزاعي، وسفيان، وإسحاق، وداود على خلاف في داود، حكاه ابن الصلاح وغيره: لأن هؤلاء ذوو الأتباع، ولأبي ثور أتباع قليلون جدًا.

وذهب الإمام، والغزالي، إلى أن الشافعي هو الذي يجب على كل مخلوق عامي تقلديه، وتابعهما على ذلك طائفة.

وذهب ابن حزم إلى أنه لا يقلد إلاَّ الصحابة والتابعون، وإن كان لا بد من تقليد غيرهم فيتعين: محمد بن نصر المروزي، من أصحاب الشافعي، وأطنب في وصف محمد بن نصر كما حكيناه في الطبقات في ترجمة محمد بن نصر، ومحمد بن نصر كما وصف وأزيد، لكنه لا يخرج عن مذهب الشافعي، فكأن ابن حزم يدعي أنه إن كان لا بد من تقليد فليقلد مذهب الشافعي، الذي انتحله محمد بن نصر، المطلع على السنة وأقوال السلف.

ومن هذا تستفيد شيئًا قد قررته في (الطبقات الكبرى) ، ولم يحملني عليه والله عرق العصبية للشافعي، بل ما دعا إليه نظري ووجدته بعد شدة التفحص، وهو أني اعتبرت أقوال غير المقلدين لواحد من الأربعة، في الأربعة: فوجدت الكل مطبقين على أنه إن كان تقليد لأحد فليكن للشافعي، وهم مجمعون على أنه متوسط بين الرأي والأثر، آخذ بمجامع الأمرين، من غير إفراط ولا تفريط في واحد من الجانبين، وعلى ذلك جميع المحدثين إلاَّ من شذ ممن لا يعبأ به من متأخري حنابلتهم، ثم وجدت طوائف الأئمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت