فهرس الكتاب
الثلاثة الحنفية، والمالكية، والحنابلة، متفقين على أنه إن كان تقليد لغير أئمتهم فليكن الشافعي، وأنت محال في تحقيق هذا الفصل على نظرك، وإياك أن تعتمده دليلًا بين يدي خصم لا ينصف، فإنه يبادرك بالمنع والإنكار، ولكن عليك بإمعان النظر في كلام أئمتهم كثيرًا لترى من ذلك ما يخرج عن حد الإحصاء في غضون مباحث الكلام: فلا تجد حنفيًا إلاَّ وهو يقول: إن كان لا بد من الخروج عن مذهب أبي حنيفة فليكن الشافعي، وكذلك المالكي وكذلك الحنبلي.
وقد خرجنا عن مقصود ما نحن بصدده، فلنعد إلى الكلام في تقليد الصحابي: فنقول:
وذهب غيرهم إلى أنهم يقلدون، لأنهم قد نالوا مرتبة الاجتهاد، وهم بالصحبة يزدادون رفعة، وهذا هو الصواب عندي؛ غير أنني أدعي أنه لا خلاف بين الفريقين في الحقيقة، بل إن تحقق ثبوت مذهب عن واحد منهم جاز تقليده وفاقًا، وإلاَّ فلا، لا لكونه لا يقلد، بل لأن مذهبه لم يثبت حق الثبوت.
فإن قلت: قد صحت أقاويل عن خلائق منهم. قلت: إما الحرمين لا ينكر ذلك، ولكن يقول: لَمَّا لم يدون عنهم، ولم يكن لهم أتباع يحررون قولهم حق التحرير لم تحصل الطمأنينة به.
واعلم أن كلامنا إنما هو في الصحابي العالم، وهذا يعرف من قولنا (قول الصحابي) فإن غير العالم لا قول له.
ومن أصولنا أن الصحابة كلهم عدول، فعدالة من ليس بعالم منهم تمنعه عن أن يقول في الدين بلا مستند.
وبذلك تعرف أن إطلاقنا الصحابي أحسن من تقييد بعض المتأخرين إياه بالعالم، لأن إضافة القول إليه منبئة عن ذلك كما عرَّفناك.
التعبُّديات لا مجال للاجتهاد فيها:
وأما الثالث: فإن الشيخ الإمام استثنى التعبديات؛ لأنه يظهر فيها أن الصحابي إنما فعلها توقيفًا؛ إذ لا مجال للاجتهاد فيها:
وأصل ذلك في كلام الشافعي رضي الله عنه، قال في اختلاف الحديث: (روي عن علي كرم الله وجهه، أنه صلَّى في ليلة ست ركعات، في كل ركعة ست سجدات، فلو صح لقلت به، لأنه لا مجال للقياس فيه) ، فالظاهر أنه إنما فعله توقيفًا. ولكن الأصحاب ذكروا ذلك من تفاريع القديم، ونازعهم الشيخ الإمام، وذكر أن الذي ينبغي: أن يكون قول الصحابي هنا حجة قديمًا وحديثًا للمعنى الذي أبداه الشافعي. قال: وأما اعتلالهم بأن ذلك من تفاريع القديم فلا يصح، لأن اختلاف الحديث من الجديد، روِّيناه من طريق المصريين عنه.
قلت: ودعواه أن اختلاف الحديث من الحديث صحيحة، وأما استدلاله على ذلك بروايته من طريق المصريين ففيه نظر، فلا يلزم من روايته من طريق المصريين أن يكون جديدًا، ألا ترى أن (الأم) كلها من طريق المصريين، لأن راويها الربيع المرادي، وبعضها قديم قطعًا، مثل كتاب (الرهن الصغير) وغيره.
واعلم أنك إذا نظرت ما سطرناه في (جمع الجوامع) هنا في مسألة قول الصحابي، مع ما سطرناه في باب التراجيح حيث قلنا: (وثالثها في موافق الصحابي إن كان حيث ميزه النص كزيد في الفرائض، ورابعها إن كان أحد الشيخين مطلقًا، وقيل: إلاَّ أن يخالفهما معاذ في الحلال والحرام، أو زيد في الفرائض ونحوهما: قال الشافعي: وموافق زيد في الفرائض، فمعاذ، فعلي ومعاذ في أحكام غير الفرائض، فعلي؛ انتهى.
الأقوال في حجية قول الصحابي:
حصلت في قول الصحابي على اثني عشر قولًا:
أحدها: أنه غير حجة مطلقًا، ولا يرجح به ولا يقلد.