فهرس الكتاب
والثالث عشر: هذا بشرط أن لا يعارض ذلك أحد الشيخين، فإن عارض فالمقدم ما فيه أحد الشيخين.
وأصحاب هذا القول يقولون: قوله: (أفرضكم، وأعلمكم، وأقضاكم) ، خطاب شفاهي لمخاطبين لم يكن فيهم لا أبو بكر ولا عمر، ولا عثمان، فلم يدخلوا فيه، فلم يلزم كون من ذكر أرجح من الثلاثة فيما ذكر. وهذا هو الحق.
ثم إذا تأملت هذه المذاهب حق التأمل عرفت أن بعضها ينظر إلى القائلين، وذلك كقول من يقول: (إنما نحتج بأحد الشيخين أو الثلاثة أو الأربعة ونحوهم) ، وبعضها إلى صفة المقول: كقول من قال: (إنه إنما يحتج به إذا خالف القياس، أو وافقه قياس تقريب أو انتشر) . وأبعدها القول، بأنه: (لا يرجح به أصلًا) ، وقد حكاه عنهم الوالد في شرح (المهذب) ، وشرح (المنهاج) في باب الخيار.
الدليل الظني:
ومنها: على قولنا في الدليل الظني: (واختلف أئمتنا هل العلم عقيبه مكتسب؟) .
قيل: لم لا بنيتم صيغة (اختلف) للمفعول، وحذفتم لفظ أئمتنا اختصارًا؟
فقلت: لأنا أردنا أن ننبه على أن الاختلاف في ذلك واقع بين أئمتنا، لا بيننا وبين فرق المخالفين من المعتزلة وغيرهم، فلو بنيناها للمفعول لم يستفد الناظر ذلك، واعلم أن في تصريحنا بالقائلين أسرارًا خفية وفوائد مهمة نبَّهنا على بعضها إجمالًا في آخر (جمع الجوامع) ، حيث قلنا: (وربما أفصحنا بذكر أرباب الأقوال ... ) إلى آخره.
وأنا أضرب لك أمثلة فأقول: قولنا في فرض الكفاية: (إن إمام الحرمين ووالده الشيخ أبا محمد، والأستاذ أبا إسحاق ذكروا أنه أفضل من فرض الأعيان) له فائدتان:
إحداهما: غرابة القول في نفسه، والغريب يتقوى بعزوه إلى قائله، لا سيما إذا كان قائله إمامًا معتبرًا ككل واحد من هؤلاء.
والثانية: أنه مشهور عن إمام الحرمين فقط، قال النووي في (الروضة) : (والأكثر إنما عزوه إليه) ، فأفدنا أن له فيه سلفًا عظيما ًوهو والده الشيخ أبو محمد والأستاذ أبو إسحاق.
وقولنا فيه أيضًا: (إنه على البعض لا الكل خلافًا للشيخ الإمام والجمهور) ، فائدة التصريح بالوالد وإن خالفناه تقوية مذهب الجمهور به، فلا يخفى أنه إمام المتأخرين عربًا وعجمًا نقلًا وبحثًا، حفظا ًوفهمًا، في كل علم، وبالجمهور أننا لم نتبعهم، ولو لم نفصح بخلافهم لتوهم متوهم أنا موافقوهم كما هو الأغلب.
وقولنا في التكليف بالمحال: (الشيخ أبو حامد، والغزالي، وابن دقيق العيد) ، وصرحنا بهم لأنهم من أئمة أهل السنَّة، فتُستغرب موافقتهم للمعتزلة. وأبو حامد هو الإسفرايني شيخ العراقيين من متقدميهم، والغزالي من متوسطيهم، وابن دقيق العيد من متأخريهم، فكان في التصريح بهم أيضًا فائدة أن في كل قرن منا من يوافقهم.
وتصريحنا في مسألة القياس في اللغة بالقائلين من الطرفين ليعلم اعتدالهم، فإن بعضهم توهم أن الأكثر على المنع، وليس كذلك.
وفي التصريح بـ (أنَّ القاضي يمنع) فائدة أخرى، وهي التنبيه على أنَّ من نقل عنه تجويزه كابن الحاجب، لم يحرر النقل عنه،(بل الثابت عنه ما حكيناه.
وهذا شأن هذا الكتاب: إذا رأيت فيه رجلًا مصرحًا بالنقل عنه، ورأيت النقل عنه)بخلاف ما نقل في كتاب آخر لبعض المصنفين، فاعلم أن ما نقلناه نحن هو المحرر الثابت عنه، وأن تصريحنا به إنما هو لوقوع الغلط عليه.