الصفحة 67 من 76

فقلت: تقريره مستوفى في (شرح المختصر) .

وحاصله: أني أدعي أن كلام كل أحد يحمل على عرفه وفاقًا، وإنما قدم الشرعي لأنه عرف الشارع.

وبهذا تعلم أنه إنما يقدم في كلام الشارع، ومن يتكلم على لسان الشرع لغلبة الظن عند إطلاقه اللفظ بأنه إنما أراد ذلك، لأنه الغالب من أحواله، لا في كلام العامي مثلًا: فإذا تعذر عرف المتكلم انتقلنا إلى العرف العام: وهذا شيء إن كنت لا تجده إلاَّ في كلامنا فهو حقيقة مراد الأصوليين، وكلام من أطلق منهم أن الشرعي مقدم، محمول على أنه لم يتحدث إلاَّ في اللفظ الوارد في الشرع، ولولا خشية الاستغراب لقلت: اللفظ الشرعي إذا ورد من الشارع محمول على الشرعي قبل اللغوي اتفاقًا. والخلاف إنما هو في وروده من غيره. وقد أطلنا القول في تحقيق هذا الموضع في كتابنا (الأشباه والنظائر) ، وهو الكتاب الذي لا يليق بالمجد في طلب العلم إهماله ولا يسع طالب التحقيق إغفاله.

(الاجتهاد)

ومنها على قولنا في الاجتهاد: (مسألة المصيب في العقليات واحد. ونافي الإسلام مخطئ آثم كافر. وقال الجاحظ، والعنبري: لا يأثم المجتهد، مطلقًا. وقيل: إن كان مسلمًا، وقيل: زاد العنبري:(كل مصيب) . أما المسألة التي لا قاطع فيها فقال الشيخ والقاضي، وأبو يوسف، ومحمد، وابن سريج: كل مجتهد مصيب. ثم قال الأولان: حكم الله تابع لظن المجتهد. وقال الثلاثة: هناك ما لو حكم لكان به. ومن ثم قالوا: أصاب اجتهادًا لا حكمًا وابتداءً لا انتهاء. والصحيح وفاقًا للجمهور أن المصيب واحد، ولله تعالى حكم قبل الاجتهاد، قيل: لا دليل عليه، والصحيح أن عليه أمارة وأنه مكلف بإصابته، وأن مخطئه لا يأثم بل يؤجر. أما الجزئية التي فيها قاطع، فالمصيب فيها واحد وفاقًا، وقيل: على الخلاف، ولا يأثم المخطئ على الأصح، ومتى قصر مجتهد أثم وفاقًا) انتهى. وليحفظ فإن نسخ (جمع الجوامع) مختلفة فيه، وما سطرته هنا هو ما استقر عليه رأيي.

هل المصيب واحد، أو متعدد:

وقد قيل عليه أسولة، جاءت من قبل عدم فهو سر تحرير في المسألة على هذا الوجه، فظهر جوابها بتقريرها، فأقول: هذه المسألة معقودة لأن المصيب واحد أو متعدد؟ والمسائل قسمان: عقلية وغير عقلية.

أما العقلية فالمصيب فيها واحد. وفيه ما عرفت عن الجاحظ والعنبري.

المسائل الجزئية قسمان:

وأما غيرها فهي المسائل الجزئية، وأعني بالجزئية ما ليست أصلًا من أصول الشرع (الذي أجمع عليه أهل الحل والعقد) (هل هو واحد؟ والجمع متعذر) . ولا يخفى أن الجزئيات، منها ما ليس عليه دليل قاطع، ومنها ما عليه برهان.

القسم الأول: ما لا قاطع فيه، وإليه الإشارة بقولنا: (المسألة التي لا قاطع فيها) ، إلى قولنا: (وأن مخطئه لا يأثم) .

فنقول: قال الشيخ أبو الحسن، والقاضي أبو بكر ومن سميناه: (كل مجتهد مصيب) ثم اختلف هؤلاء، فقال الأولان: وهما الشيخ والقاضي: حكم الله تابع لظن المجتهد، فما ظنه كان حكم الله في حقه. وقال الثلاثة: أبو يوسف، ومحمد، وابن سريج في أصح الروايتين عنه: مقالة تسمى بالأشبه، وهي أن في كل حادثة ما لو حكم الله لم يحكم إلاَّ به، وهؤلاء القائلون بالأشبه، يعبرون عنه بأن المجتهد مصيب في اجتهاده مخطئ في الحكم، أي إذا صادف خلاف ما لو حكم لم يحكم إلاَّ به، وربما قالوا: (مخطئ انتهاء لا ابتداء) . وهذا آخر تفاريع القول بأن كل مجتهد مصيب.

وقال الجمهور -وهو الصحيح-: المصيب واحد، ولله تعالى في كل واقعة حكم سابق على اجتهاد المجتهدين وفكر الناظرين. ثم اختلفوا: أعليه دليل أم هو كدفين يصيبه من شاء الله تعالى ويخطئه من يشاء؟ والصحيح: أن عليه أمارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت