الصفحة 68 من 76

واختلف القائلون بأن عليه أمارة، في أن المجتهد: هل هو مكلف بإصابة الحق أو لا؟ لأن إصابة الحق ليست في وسعه. والصحيح: الأول. ثم اختلفوا فيما إذا أخطأ الحق. هل يأثم؟ والصحيح: لا يأثم بل له أجر، على ما قاله صلى الله عليه وسلم: (( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد ) ): وعلام يؤجر؟ لم نتكلم في (جمع الجوامع) في هذا.

واعلم أنه يؤجر على بذل وسعه لا على نفس الخطأ، لأنه ليس من صنيعه. وأما إذا أصاب فله أجران: أحدهما: على بذله الوسع، وهذا كما في المخطئ. والثاني: يحتمل أن يقال إنه على نفس الصواب. فإن قيل: أليس إنه ليس من صنيعه؟ قلنا: قد يثاب المرء على ما ليس من صنيعه، وإنما هو من آثار صنيعه، ولا كذلك الإثم. ويحتمل أن يقال إنه على كونه سن سنَّة حسنة يقتدي بها من يتبعه من المقلدين.

ومن هنا أقول: المخطئ لا يؤجر على اتباع المقلدين له، بخلاف المصيب؛ لأن مقلد المصيب قد اهتدى به، لأنه صادف الهدى، وهو الحق، (( ولأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم ) )بخلاف المخطئ فإن مقلده لم يحصل على شيء، غاية الأمر سقوط الحق عنه باعتبار ظنه. أما حصول ثواب زائد ففيه نظر.

القسم الثاني: ما فيه قاطع: وإليه الإشارة بقولنا (أما الجزئية التي فيها قاطع فالمصيب فيها واحد إجماعًا) وإن دق مسلك ذلك القاطع وغمض، وتلاطمت فيه أمواج الفكر.

والمخطئ غير آثم على الأصح. والقول الثاني: أنه آثم، وهذا يقوله كل من يقول إن المخطئ فيما لا قاطع فيه يأثم، وبعض من يوافق هناك على أنه لا يأثم، فلذلك كان القول بأنه يأثم هنا، أقوى من القول بأنه يأثم حيث لا قاطع، ومن ثم عبرنا بلفظ الأصح هنا ولفظ الصحيح هناك، إشارة إلى أن مقابل هذا له وجه من الصحة ومقابل ذاك فاسد.

وأما قولنا: (وحيث قصر يأثم وفاقًا) فإشارة إلى أن من قصر يأثم سواء في ذات القطع أو غيرها.

وعبارة ابن الحاجب: (مخطئ أثم) ونحن حذفنا لفظ (مخطئ) لأنه إن أراد (مخطئ في الحكم) ، فلسنا على يقين من ذلك، إذ يحتمل أنه أخطأ وأنه أصاب ولكنه يأثم لتقصيره، وقد يكون مع ذلك أصاب كواجد دفين، وإن أراد (مخطئ في نفس الاجتهاد) ، فهذا لا حديث فيه، فقد لاح بشرح هذه المسألة وجه عدو لنا عن ألفاظ غيرنا.

(المقدمات)

ومنها قيل: لم لا قدمتم حد الفقه، وحد الأصل، على حد أصول الفقه؟ لأنهما مفردان، ومعرفة المفرد سابقة على معرفة المركب؛ قال الإمام: المركب لا يمكن أن يعلم إلاَّ بعد العلم بأجزائه، لا من كل وجه بل من الوجه الذي يصح منه التركيب.

فقلت لوجوه ثلاثة:

أحدها: أن هذا هو المقصود بالأصالة فتعين تقديمه إذ التقديم يقتضي الاهتمام، فلو قدم غيره مع أن الاهتمام إنما هو به، لم يكن مناسبًا.

والثاني: ما ذكره الشيخ الإمام الوالد رحمه الله في القطعة التي عملها من شرح مختصر ابن الحاجب حيث قال ما نصه: وبدأ بالتعريف اللقبي لأنه أخص، وهذا النوع من المركب أعني المضاف والمضاف إليه، إذا سمي به، قد يسمى به فرد من أفراد مدلوله الإضافي، كعبد الله، مسمى به رجل، فيصدق عليه بطريقين، ويكون المدلول اللقبي أخص من الإضافي، وقد يسمى به شيء آخر بينه وبين الإضافي مباينة، أو عموم وخصوص من وجه. وسنبين لك من أي الأقسام هو. وعلى كل تقدير فاللقبي هو المميز لهذا العلم عن غيره، فلذلك بدأ به ثم كلامه ومراده أن اللقبي وهو المصطلح أخص من الإضافي بحسب وضع اللغة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت