الصفحة 69 من 76

والثالث: أني أقول: إذا سميت بمضاف ومضاف إليه فتارة تقطع النظر عن المفردين والإضافة بالكلية، ويكون ذلك كالأعلام المرتجلة، وليس أصول الفقه من هذا القبيل فإنا لم نقطع النظر عن معنى الأصول، والفقه، والإضافة كلية، بل لاحظنا كل واحد منها، وتارة تلاحظ، وذلك على قسمين:

أحدهما: أن تلاحظ تلك المعاني وتبقيها على حالها ولا تعمل شيئًا إلاَّ زيادة صيرورتها علمًا، وهذا لم نعتمده في أصول الفقه، لأنا لم نبق شيئًا من المعاني الثلاثة على حاله.

والثاني: أن تلاحظ أدنى ملاحظة، فتلاحظ مثلًا معنى الأصل لغة والفقه، وأصل الإضافة، وتكون هذه الملاحظة هي العلاقة المسوغة لإطلاق هذا اللفظ، الذي هو مضاف ومضاف إليه، على هذا العلم، وهذا هو المقصود، ويشبه العلم الذي لمحت فيه الصفة كالحسن والحسين عند النحاة، والحقيقة الشرعية عند المحققين من أصحابنا فإنها مجاز لغوي لم يقطع الشارع النظر فيها عن اللغة، خلافًا للقاضي، وحينئذٍ فليس الأصل والفقه من حيث خصوصهما مفردين لهذا المركب، بل لا يتطلب لهذا المركب مفردات لأنا قطعنا النظر عن مفرديه وصيرناه علمًا، فإن قلت: قد ذكرتم أنكم لم تقطعوا النظر بالكلية، قلت: نعم، بمعنى أنا راعينا أصل المعاني الثلاثة فقط؛ ولكنا قطعنا النظر عن خصوصيتها فافهم ذلك، وبه تعرف أنا لم نقدم تعريف المركب على مفرديه فإنه لا تركيب إلاَّ في الصورة واللفظ، لا في الحقيقة والمعنى. وهنا ننبهك على بحث شريف، وهو: أن الأسماء الموضوعة للعلوم كالفقه، والنحو، والطب والأصول، وما أشبهها، هل هي مما صار علمًا بالغلبة؟ أو هي من المنقولات العرفية؟ فيه للوالد رحمه الله تعالى احتمالان ذكرهما في (شرح المختصر) ، قال والثاني أقوى لأن العلم بالغلبة يتقيد بما إذا كان معرفًا بالألف واللام كالعقبة، أو بالإضافة كابن عمر.

ونحن نجد في العرف أنه لو قال القائل: (فلان يعرف فقهًا ونحوًا وطبًا) فهم منه معانيها الخاصة، فدل على أنها موضوعة لها مع التنكير كما يفهم من دابة مع التنكير ذوات الأربع، قال: ثم إذا ثبت أنها منقولة فهي أسماء أجناس، لا أعلام أجناس؛ لوجهين:

أحدهما: أنها تقبل الألف واللام، ولو كانت أعلامًا لما قبلتها.

والثاني: أنه قد ثبت ذلك في دابة، إذ ليست بعلم فلتكن هذه مثلها.

(العموم)

ومنها: على قولنا في العام: (والصحيح دخول النادرة، وغير المقصودة، تحته، وأنه قد يكون مجازًا، وأنه من عوارض الألفاظ ... إلى آخره) ، طلب تقرير ذلك.

فقلت: هذه أربع مسائل:

الأولى: أن الصورة النادرة، هل تدخل تحت العموم؟ فيه خلاف حكاه أبو إسحاق الشيرازي وغيره، ويبنى عليه مسألة المسابقة على الفيل، وفيها وجهان: القائل بالجواز يستند إلى قوله صلى الله عليه وسلم: (( لا سبق إلاَّ في نصل أو خف أو حافر ) )، والمانع يدعي أنه نادر ولم يرد باللفظ.

والثانية: أن غير المقصودة هل تدخل في العموم؟ وفيه خلاف منقول عن حكاية القاضي عبد الوهاب المالكي ممن نقله عنه الشيخ تقي الدين ابن تيمية في تعليقه له ولوالده وجده تسمى بالمسودة: وليست (غير المقصودة) هي النادرة كما توهمه بعض من بحث معي، بل النادرة هي التي لا تخطر غالبًا ببال المتكلم، لندرة وقوعها، وغير المقصودة قد تكون مما يخطر بالبال ولو غالبًا، فربَّ صورة تتوفر القرائن على أنها لم تقصد، وإن لم تكن نادرة، ورب صورة تدل القرائن على أنها مقصودة وإن كانت نادرة، فافهم ذلك فبين المسألتين بون تام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت