فهرس الكتاب
هل العبرة بالملفوظ أم بالمقصود؟:
إذا عرفت هذا فإذا ذكر اللافظ لفظًا عامًّا وهناك صورة لم تقصد، ولكنها داخلة في دلالة اللفظ، وكثيرًا ما يقع هذا في ألفاظ الواقفين، فهل يعتبر لفظه وتدخل تلك الصورة، وإن لم يقصدها، أو يقتصر على المقصود؟ الأصح الأول، والحنابلة يميلون إلى ترجيح الثاني، ويبنون عليه أصولًا عظيمة في باب الوقف، واستنبط ابن الرفعة من كلام الغزالي في الفتاوى أن المقاصد تعتبر، أعني مقاصد الواقفين فيخصص بها العموم ويعمم بها الخصوص.
ولنا في مقاصد الواقفين تحقيق لسنا له الآن لخروجه عن صناعة الأصول، وإنما كان غرضنا تقرير المسألة وقد وضح، ووجه دخول غير المقصودة: أن المراد إنما هو اللفظ فلا مبالاة بصورة لم تقصد فإن المقاصد لا انضباط لها، والرجوع إلى منضبط أولى، على ما تقرر، فكان اعتبار اللفظ وإدارة الحكم عليه وجودًا وعدمًا أولى، ولست أدعي أن المقصود إخراجها تدخل، وإنما أقول غير المقصودة تدخل، وفرق بين غير المقصودة والمقصودة الإخراج؛ فمقصودة الإخراج لا سبيل إلى القول بدخولها، غير أنا نقول لا اطلاع على قصد الإخراج إلاَّ بدليل، وذلك الدليل مخصص لهذا اللفظ، فلا يمنع دخول الصورة في مدلوله، لأن التخصيص إخراج من الحكم لا من المدلول.
ومسألة (جمع الجوامع) ، إنما هي غير المقصودة، سواء أقصد إخراجها أم لا؟ فإن لم يقصد دخلت لفظًا وحكمًا، وإن قصد إخراجها دخلت لفظًا وخرجت حكمًا، كسائر المخصصات، ونظير غير المقصودة المخاطِب بكسر الطاء هل يدخل في عموم خطابه؟ فإن المخاطب لا يقصد نفسه غالبًا، ولذلك تقول: من شتمك فاشتمه، فلو قال لك أأشتم السلطان إذا شتمني؟ لقلت: هذا لم أقصده، وأمثلته تكثر: وربَّ غير مقصودة تدل القرائن على خلاف ما دلَّ فيه اللفظ كما وقع عندي في المحاكمات: واقف وقف على الفقراء والمساكين، وقال: تقدم عتقاء الواقف على غيرهم. فافتقر أقاربه، فهل يعطون؛ لكون الإحسان إليهم أولى من العتقاء، والقرائن تدل أنه لو استحضرهم معهم لقدمهم في الإعطاء، وأنه إنما رجح جانب العتقاء ترجيحًا لمن هو أولى ببره من غيره، والأقارب بذلك من العتقاء أولى، لأن اللفظ لا يدل إلاَّ على تقديم العتقاء، وليسوا إياهم، فهذا موضع نظر واحتمال، فيستبعد استبداد العتقاء بالوقف، وإذا خرج من هم في نظر الشرع والواقف فيما يظهر أولى، فيبعد إعطاء من لا دلالة للفظه على إعطائه ولذلك نصَّ الشافعي على إعطائهم مقدمين على العتقاء والصورةُ هذه.
ومرت في دخول غير المقصود حكاية لطيفة ونكتة بديعة، استحسنها مني الشيخ الإمام رحمه الله فأصفها لك قائلًا: جرت مناظرة بين يدي ذلك الحبر العظيم، وجرى ذكر قول الحريري صاحب (المقامات) :
من ذا الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط
فقال بعض الحاضرين يحكى أن الحريري لما قال هذا البيت سمع قائلًا يقول من وراء جدار:
محمد الهادي الذي عليه جبريل هبط
فقلت: أما كان للحريري أن يجيب فيقول:
وذاك فرد نادر أعذر فيه بالغلط
فاستحسن مني الشيخ الإمام ذلك جدًّا، فهذا الحريري لم يقصد النبي صلى الله عليه وسلم قطعًا، وكان إيراده عليه في حكم النقض بصورة نادرة. وقد يقال: ذكر هذه الحكاية مثالًا للمقصودة أولى من ذكرها لغير المقصودة.
واعلم أن الخلاف في الصورة النادرة حكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رضي الله عنه وغيره. وفي غير المقصودة قد قلنا لك إنه منقول عن حكاية القاضي عبد الوهاب، ممن نقله الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله في تعليقة له ولوالده وجده تسمَّى بالمسودة.