الصفحة 71 من 76

والثالثة: أن العام قد يكون لفظًا مجازيًّا، وخالف بعض الحنفية فزعم أن المجاز لا يعم لضعفه، قال: فإنه على خلاف الأصل، فيقتصر به على الضرورة كما قال أصحابنا: إن ما تقيد بالضرورة يقدر بقدرها: وهي مسألة عموم المقتضى.

المجاز لا يختص بحال الضرورة:

وهذه شبهة ساقطة، وليس المجاز مما يختص بحال الضرورات، بل هو عند قوم غالب على اللغات، والدليل على أن العام قد يكون مجازًا: الاستثناء، في قوله صلى الله عليه وسلم: (( الطواف بالبيت صلاة إلاَّ أن الله أحل فيه الكلام ) )فإن الاستثناء معيار العموم فدلَّ على تعميم كون الطواف صلاة وكون الطواف صلاة مجاز.

والرابعة: أنه من عوارض الألفاظ: وهي مسالة خلافية مقررة في (شرح المختصر) فلتنظر، والله تعالى أعلم.

(المفهوم)

مفهوم المخالفة:

ومنها: على قولنا في المفهوم ما نصه: (وهو صفة كالغنم السائمة، أو سائمة الغنم لا مجرد السائمة على الأظهر. انتهى) .

قيل: ما الفرق بين (الغنم السائمة) و (سائمة الغنم) ؟ فقلت: هذا مكان عويص. فأقول: يحتمل أن يقال: لا فرق بينهما - والغنم موصوف والسائمة صفة في الموضعين- إلاَّ أنه في الثاني قدم من تأخر فصارت سائمة الغنم، وإلى هذا يرشد كلام البيضاوي في منهاجه.

ويحتمل أن يفرق بينهما، فيقال: إنهما مشتركان في أن لكل منهما مفهوم صفة، لكن المفهوم من هذا غير المفهوم من ذاك. وهذا هو التحقيق عندي.

فأقول: المراد بالصفة عند الأصوليين: (تقييد لفظ مشترك المعنى بلفظ آخر مختص، ليس بشرط ولا استثناء ولا غاية) ولا يريدون منها النعت فقط كما يفعل النحوي.

وهذا وإن دل عليه تمثيل جميعهم بـ (مطل الغني ظلم) مع أن التقييد فيه إنما هو بالإضافة فقط، وقد جعلوه صفة، فهو أوضح من أن يستدل عليه بذلك، عند من عرف كلام الأصوليين.

وإذا كان المعني بالصفة التقييد كان المقيد في قولنا: (في الغنم السائمة زكاة) إنما هو الغنم. وفي قولنا: (في سائمة الغنم زكاة) إنما هو السائمة.

فمفهوم الأول: عدم وجوب الزكاة في الغنم المعلومة التي لولا التقييد بالسوم لشمها= لفظ الغنم.

ومفهوم الثاني: عدم وجوب الزكاة في سائمة غير الغنم كالبقر مثلًا، التي لولا تقييد السائمة بإضافتها إلى الغنم، لشمها لفظ السائمة. وأما عدم وجوب الزكاة في الغنم المعلوفة بالنسبة إلى هذا التركيب الثاني، فإنه من باب مفهوم اللقب، كما أن عدم الزكاة في البقر بالنسبة إلى قولنا (في الغنم السائمة زكاة) من باب مفهوم اللقب، وإنما قلت: (إن عدم الوجوب في هذين الموضعين من باب مفهوم اللقب) ؛ لأن المقيد في المثال الأول وهو الغنم لم يشمل غير الغنم، كالبقر مثلًا، فلم يخرج بالصفة التي لو أسقطت لم يختل الكلام، والمقيد في المثال الثاني - وهو السائمة- لم يشمل الغنم المعلوفة، فلم تخرج المعلوفة بالصفة، أعني إضافة السائمة إلى الغنم بالصفة التي لو أسقطت لم يختل الكلام، فغير الغنم في المثال الأول، وغير السائمة في المثال الثاني مسكوت عنهما، ويؤيد ذلك أن أبا عبيد لم يفهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( مطل الغني ظلم ) )إلاَّ أن مطل غير الغني ليس بظلم. لا أن غير المطل ليس بظلم. ولا أن الغني الذي ليس بماطل، ليس بظالم.

إذا تقرر ذلك علم أن لقولنا (في الغنم السائمة زكاة) منطوقًا، ومفهوم صفة، ومفهوم لقب، وأن لقولنا (في سائمة الغنم زكاة) منطوقًا، ومفهوم صفة، ومفهوم لقب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت