فهرس الكتاب
فمنطوقهما واحد: وهو وجوب الزكاة في السائمة من الغنم.
ومفهوم الصفة فيهما مختلف. إذ مفهوم الأول عدم الوجوب في الغنم المعلوفة، ومفهوم الثاني عدم الوجوب في سائمة غير الغنم ومفهوم اللقب فيهما مختلف أيضًا فإن مفهوم الأول عدم الوجوب في غير الغنم، ومفهوم الثاني عدم الوجوب في غير السائمة.
إلاَّ أن مفهوم اللقب لا غرض لنا في البحث عنه هنا. إنما الغرض البحث عن مفهوم الصفة، فلما اختلف بالنسبة إلى الصفتين أتينا بالمثالين.
وبهذا التحقيق يظهر لك أن المنفي في قولنا: (الغنم السائمة فيها زكاة) هو الزكاة عن الغنم غير السائمة، لا عن غير السوائم مطلقًا، لأن غير سوائم الغنم لم يدخل في اللفظ هنا، فكيف ينفى؟ فإن مورد الكلام الغنم، والمنفي في قولنا: (سائمة الغنم) الوجوب في سائمة غير الغنم، وليس هذا التردد في البحث هو الخلاف الذي حكيناه على إثر هذا الكلام، حيث قلنا: (وهل المنفي غير سائمتها أو غير مطلق السوائم؟ قولان) . انتهى.
لأن القولين متفقان على أن المنفي غير السائمة لكن هل هي سائمة الغنم أو سائمة كل شيء؟ هذا موضع القولين: ولعله مخصوص بصورة (في الغنم السائمة) .
أما صورة (سائمة الغنم) ، فقد قلنا: إن المنفي فيها سائمة غير الغنم، فالمنفي سائمة، لا غير سائمة، والمنفي هناك غير سائمة على العموم أو غير سائمة على الخصوص؟ فيه قولان:
وإذا فهمت ما ألقيته لك من التحقيق ظهر لك الخلل في كلام البيضاوي صاحب (المنهاج) ، حيث جعل في سائمة الغنم زكاة مثالًا لصورة تعليق الحكم، بإحدى صفتي الذات، وقال بعد ذلك إنه المتبادر من قوله عليه الصلاة والسلام: (( مطل الغني ظلم ) )ووجه الخلل أن المتبادر من هذا الحديث أن مطل غير الغني ليس بظلم كما قلناه، وإياه فهم أبو عبيد، وهذا المتبادر ليس نظير عدم الوجوب في الغنم التي ليست بسائمة، التي قصد البيضاوي إثبات فهمه من قول القائل: (في سائمة الغنم زكاة) ، وإنما نظير هذا المفهوم أن الغني الذي ليس بماطل، ليس بظالم. وهذا الخلل إنما جاء من التحقيق الذي حققناه، وعذر البيضاوي ومن شاركه في صنيعه أن عندهم سائمة الغنم مقدم على متأخر، وأصله الغنم السائمة، وأنهم لا يفرقون بين العبارتين.
الحد والمحدود غير مترادفين:
ومنها على قولنا: (إن الحد والمحدود غير مترادفين) .
قيل: هذا يناقض قول المنطقيين: لو قدر البرهان في الحد لكان مستلزمًا غير المحكوم عليه.
فقلت: هذا أولًا ينبغي أن يخص به ابن الحاجب فإنه قال العبارتين. فيدعى عليه المناقضة في كلامه.
وأما أنا فلم أذكر كلام المنطقيين، لأني لم أر ذكر علم المنطق في هذا الكتاب، وأبدلته بعلم الكلام.
وثانيًا: أنه لا تناقض، وذلك لأن المراد بالحد هناك في المنطق الذاتيات الكلية المركبة، أعني الجنس والفصل القريبين، المقيد كل منهما بالآخر، وبالمحدود تمام الماهية، والحد بهذا المعنى نفس المحدود. فلو قدر البرهان في تحصيله لكان مستلزمًا نفس المحكوم عليه، ولا يقال إنهما مترادفان، لأن الترادف فيه لفظان دالاَّن على معنى واحد، وليس المعنى في ذلك واحدًا، بل هما شيئان استلزم أحدهما الآخر، وتوصل إليهما بطريقين.
والتحقيق أن ثم معاني تلقى عليها ألفاظ فتختلف بالنسبة إلى ألفاظها اختلاف المظروف بظرفه. فإن ألقيت الألفاظ من جهة واحدة فهو الترادف، وإن ألقيت من جهات مختلفة في الذات فليست مترادفة، وإن ألقيت من جهات لم يلزم من اختلافها اختلاف الذات، بل اختلاف صفاتها، فهذا موضع نظر وأناة. والأصح عندي أنها غير مترادفة.