فهرس الكتاب
يعني أنه إذا تعارض دليلان أحدهما عام والآخر خاص، وتأخر الخاص عن وقت العمل بالعام، فإن الخاص يكون ناسخا للعام بالنسبة إلى ما تعارضا فيه.
ومثاله: آيات المواريث مع آية الوصية للوالدين والأقربين عند من يقول بأنها مخصصة، لأن تخصيصها بآيات المواريث يخرج من عمومها الوالدين الوارثين والأقارب الوارثين دون غيرهم، كالوالدين الرقيقين والأقارب الذين لا يرثون، فمن يقول بهذا التخصيص فهو تخصيص بعد العمل بالعام، فهو نسخ، وأما على قول الأكثر بأن آيات المواريث ناسخة لآية الوصية من أصلها، وأن حديث (( لا وصية لوارث ) )بيان للناسخ فلا تصلح الآية مثالا.
ومن أمثلة ذلك أيضا: ما ذكره جماعة من علماء التفسير من أن آية: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} ناسخة لقوله: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} لأن عموم: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} يتناول ما ذبحه كتابي لم يسم الله ولا غيره، ثم أخرج الكتابي من عموم هذه الآية بقوله: {وطعام الذين} الآية، وهو تخصيص بعد العمل، لأن آية {ولا تأكلوا} من سورة الأنعام وهي مكية بالإجماع، وآية {وطعام الذين أوتوا الكتاب} من سورة المائدة وهي من آخر القرآن نزولا بالإجماع بالمدينة، فهذا التخصيص بعد العمل نسخ، ودليل ذلك أن التخصيص بيان، والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة إليه كما يأتي للمؤلف.
431 وإن يك العموم من وجه ظهر= فالحكم بالترجيح حتما معتبر
يعني أن الدليلين إذا كان بينهما عموم وخصوص من وجه يظهر تعارضهما في الصورة التي يجتمعان فيها، فيجب الترجيح بينهما، ويجب العمل بالراجح إجماعا، وخلاف الباقلاني في وجوب العمل بالراجح مردود عليه بالإجماع كما يأتي للمؤلف في آخر الكتاب.
ومثال ذلك: قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} مع قوله: {أو ما ملكت أيمانهم} فإن بينهما عموما وخصوصا من وجه، تنفرد آية {وأن تجمعوا بين الأختين} في الأختين بنكاح، وتنفرد آية {أو ما ملكت أيمانهم} في ملك اليمين غير الأختين، ويجتمعان في الأختين بملك اليمين، فتدل آية {وأن تجمعوا بين الأختين} على التحريم، وآية {أو ما ملكت أيمانهم} على الإباحة كما قال عثمان رضي الله عنه: أحلتهما آية وحرمتهما أخرى، فيرجح عموم {وأن تجمعوا بين الأختين} من خمسة أوجه:
الأول: أنه في محل تحريم النساء وتحليلهن، وآية {أو ما ملكت أيمانهم} في معرض مدح المتقين، فذكر من صفاتهم حفظ الفرج فاستطرد أنه لا يلزم عن الزوجة والسرية، وأخذ الأحكام من مظانها أولى من أخذها لا من مظانها.
الثاني: أن عموم {أو ما ملكت أيمانهم} أجمع العلماء على تخصيصه، للإجماع على أن عموم {أو ما ملكت أيمانهم} يخصصه عموم {وأخواتكم من الرضاعة} وعموم {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} الآية، فالأخت من الرضاع وموطوءة الأب لا تحلان بملك اليمين إجماعا بخلاف عموم {وأن تجمعوا بين الأختين} فلم يدخله التخصيص، والعام الباقي على عمومه مقدم على العام المخصوص كما يأتي للمؤلف أيضا، ولم يخالف في ذلك إلا السبكي وصفي الدين الهندي.