الصفحة 109 من 263

وأما التأويل البعيد فهو كون الدليل الذي استدل به على صرف اللفظ عن الظاهر الراجح إلى الخفي المرجوح ليس قويا في نفس الأمر وإن كان المؤول يظنه قويا. وذلك هو معنى قوله: (وغيره الفاسد والبعيد) .

وقوله: (وما خلا) إلخ يعني أن صرف اللفظ عن ظاهر إذا كان لغير دليل أصلا فهو لعب ولا يسمى تأويلا، وكذا إن صرفه عن ظاهره معتقدا أن ذلك الصرف لا دليل عليه، ولو كان لذلك الصرف دليل في نفس الأمر.

ومثال اللعب: حمل أهل الأهواء كثيرا من الآيات والأحاديث على معان بعيدة من المقصود، كقوله بعض غلاة الشيعة في قوله تعالى: {مرج البحرين} أنهما علي وفاطمة رضي الله عنهما، وأن قوله: {بينهما برزخ} يعني الحسن والحسين.

وقوله: (لعبا) مفعول مقدم لقوله: (يفيد) والمعنى أنه متلاعب بكتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

444 والخلف في فهم الكتاب صير = إياه تأويلا لدى المختصر

يعني أن خليل بن إسحاق المالكي في (مختصره) جعل لنفسه اصطلاحا خاصا في التأويل وهو أنه اختلاف شارحي (المدونة) في فهمها، ومراد المؤلف بـ (الكتاب) : (المدونة) ، وقوله: (إياه) ضمير منفصل مع تأتي الاتصال، وارتكبه للضرورة، كما أشار له في (الخلاصة) بقوله:

وفي اختيار لا يجيء المنفصل = إذا تأتى أن يجيء المتصل

ونظير ما ارتكبه المؤلف من الفصل في محل الوصل للضرورة قول الشاعر:

بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت = إياهم الأرض في دهر الدهارير

445 فجعل مسكين بمعنى المد = عليه لائح سمات البعد

446 كحمل مرأة على الصغيره = وما ينافي الحرة الكبيره

447 وحمل ما روي في الصيام = على القضاء مع الالتزام

ذكر في هذه الأبيات ثلاث مسائل من مسائل التأويل البعيدة:

الأولى: تأويل الحنفية المسكين في قوله: {فإطعام ستين مسكينا} بالمد حيث جوزوا إعطاء ستين مدا لمسكين واحد في ستين يوما، حيث جعلوا الذي لم يذكر - وهو المد - هو المقصود، والذي ذكر - وهو المسكين - غير مقصوده، مع أن قصد العدد فيه من الفائدة ما لم يكن في الواحد، لأن إعطاء المكفر ستين رجلا يستدعي تظافر الكل على الدعاء له، وكثرة الداعين مظنة الإجابة، ومظنة صلاح البعض إن لم يكن الكل صالحا، وهذا لا يوجد في الواحد. وهذا هو مراد المؤلف بالبيت الأول فقوله: (جعل) مبتدأ وهو مصدر مضاف إلى مفعوله، ومفعوله الثاني الجار والمجرور الذي هو (بمعنى) ، وقوله: (لائح) خبر المبتدأ، وقوله: (سمات البعد) فاعل الخبر والمسوغ لعمله مع أنه اسم فاعل منكر اعتماده على المبتدأ. والسمات: جمع سمة وهي العلامة و (لائح) معناه ظاهر عليه علامات البعد.

المسألة الثانية: حمل المرأة أيضا في قوله صلى الله عليه وسلم: (( أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل ) )على خصوص المكاتبة، لأنهم لما أرادوا حمله على الصغيرة فقيل لهم: الصغيرة لا تسمى امرأة عرفا فأرادوا حمله على الأمة، فقيل لهم: آخر الحديث يمنع ذلك فإن في بعض رواياته (( فإن أصاب منها فلها مهر مثلها ) )ومهر الأمة لسيدها لا لها. ووجه بعد هذا: أن لفظ (أي) صيغة عموم كما تقدم للمؤلف، وأكد هذا العموم بـ (ما) المزيدة للتأكيد، وزيد التأكيد بتكرير قوله: (( باطل باطل باطل ) )فقصر هذا العموم على صورة نادرة بعيد، وهذا هو مراده بالبيت الثاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت