فهرس الكتاب
الضمير في قوله: (لها) عائد إلى المخالفة بمعنى الحكم المدلول عليه بها، يعني أن الحكم المدلول عليه بمفهوم المخالفة يصح تجرده عن أصله الذي هو المنطوق، فيجوز نسخ حكم مفهوم المخالفة مع بقاء المنطوق. ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم: (( إنما الماء من الماء ) )فإنه دل بمنطوقه على وجوب الغسل من نزول المني، ودل بمفهومه مفهوم المخالفة الذي هو مفهوم الحصر هنا على عدم وجوب الغسل من الجماع بلا إنزال، فنسخ المفهوم بأحاديث وجوب الغسل بالتقاء الختانين، مع بقاء المنطوق الذي هو وجوب الغسل من خروج المني غير منسوخ.
وقوله: (وانعكاسه مستبعد) يعني أن عكس ما ذكر مستبعد، وهذا المستبعد الذي هو عكس المذكور وهو نسخ المنطوق وبقاء مفهوم المخالفة، واستبعادهم له يؤيد رأي الأكثرين في استلزام المنطوق لمفهوم الموافقة كما تقدم.
476 ويجب الرفع لحكم الفرع = إن حكم أصله يرى ذا رفع
يعني أنه إذا رفع حكم (الأصل) المقيس عليه بأن نسخ، فإن حكم الفرع يجب رفعه تبعا لحكم أصله، فلو قال أحد أيام تحليل الخمر: النبيذ مباح قياسا على الخمر، ثم نسخ حكم الخمر لزم ارتفاع الحلية عن النبيذ تبعا لارتفاعها عن الخمر.
وخالف في ذلك بعض الحنفية زاعمين جواز بقاء حكم الفرع مع ارتفاع حكم الأصل. ومثلوا لذلك بجواز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض قياسا على جواز شهادة الكافرين على الإيصاء في السفر المنصوص بقوله: {أو آخران من غيركم} بجامع ضرورة عدم وجود المسلمين، قالوا: فنسخ الأصل بآيات اشتراط العدالة وبقي الفرع محكما، فمنعوا شهادة الكافرين على الإيصاء في السفر نظرا لنسخ حكمها وأثبتوا شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، إبقاء لحكم الفرع المقيس مع رفع حكم أصله المقيس عليه، والآية مختلف في نسخها، وشهادة أهل الذمة المذكورة مختلف فيها.
477 وينسخ الإنشاء ولو مؤبدا = والقيد في الفعل أو الحكم بدا
478 وفي الأخير منع ابن الحاجب = كمستمر بعد صوم واجب
يعني أن النسخ إنما يكون في الإنشاء دون الخبر، ويجوز نسخ الإنشاء ولو اقترن بقيد التأبيد، سواء كان القيد بالتأبيد في الفعل أو في الحكم. فمثاله في الفعل: ما لو قال الشارع قبل نسخ صوم عاشوراء: صوموا عاشوراء أبدا فقوله: (أبدا) متعلق بالفعل الذي هو الصوم.
ومثاله في الحكم: ما لو قال منشئا لا مخبرا: صوم عاشوراء مستمر عليكم أبدا، أو وجب عليكم أبدا، فإن كل هذا لا ينافي النسخ عند الأكثر لأن المقصود الإنشاء، والتأبيد هو ظاهر التشريع، واختار ابن الحاجب منع النسخ في الأخير الذي هو كون القيد بالتأبيد واقعا في الحكم لظهور منافاته للنسخ.
وأوضح فرق بين الإنشاء والخبر: أن مدلول الخبر أمر خارجي أخبر عنه، ومدلول الإنشاء لا وجود له في الخارج، وإنما يوجد بحصول صيغة الإنشاء، فقولك: (جاء زيد) - مثلا - إخبار عن أمر واقع في الخارج. وقولك: (بعتك سلعتي بكذا) ليس فيه إخبار عن أمر كان واقعا في الخارج، لأن السلعة لم تكن مبيعة فيما قبل، وإنما أنشأ بيعها بالصيغة، أما صيغ الإنشاء الطلبية فلا التباس بينها وبين الخبر أصلا.
479 ونسخ الاخبار بإيجاب خبر = بناقض يجوز لا نسخ الخبر
في الكلام مضاف محذوف تقديره (إيجاب) أي ونسخ إيجاب الإخبار، وقوله: (بناقض) يعني بنقيض الخبر الأول. وتقرير المعنى: أنه لو وجب خبر بشيء فإن ذلك الإيجاب يجوز نسخه بإيجاب الإخبار بنقيض الخبر الأول، فيجوز أن يوجب