فهرس الكتاب
فإن قيل: قول الباجي هذا أنه إن ظهر قصد القرية حمل على الوجوب ينافي ما تقدم من أن التمحض للقربة علامة الندب - كما تقدم - إذا تجرد عن قيد الوجوب.
فقد أجاب بعضهم عن هذا بأن المراد بقصد القربة عند الباجي قصد التقرب ببيان الفعل للأمة، وقصد القربة الذي هو سيمى الندب هو قصد التقرب بنفس الفعل، والله تعالى أعلم. وقوله: (قمن) بكسر الميم وفتحها بمعنى حقيق وجدير.
507 وقد روي عن مالك الأخير = والوقف للقاضي نمى البصير
يعني أنه روي عن مالك القول الأخير وهو الإباحة، رواه عنه إمام الحرمين والآمدي. وقوله: (والوقف للقاضي) إلخ يعني أن البصير بعلم الأصول نسب القول بالوقف للقاضي أبي بكر الباقلاي، ووجه القول بالوقف احتمال الفعل للوجوب والندب والإباحة.
508 والناسخ الأخير إن تقابلا = فعل وقول متكررا جلا
يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا صدر منه قول يقتضي التكرار متضمنا حكما، وصدر منه فعل يناقض ذلك القول، كما لو قال: صوم يوم عاشوراء واجب علي، ولم يصمه، فإن المتأخر من القول أو الفعل ناسخ للأول إذا عرف المتأخر، فإن جهل فهو قوله:
509 والرأي عند جهله ذو خلف = بين مرجح ورأي الوقف
يعني أنه إن جهل المتأخر من القول والفعل المتعارضين فرأي العلماء مختلف في ذلك، فمنهم من رجح القول، ومنهم من رجح الفعل، ومنهم من قال بالوقف.
510 والقول إن خص بنا تعارضا = فينا فقط والناسخ الذي مضى
511 إن بالتأسي أذن الدليل = والجهل فيه ذلك التفصيل
يعني أن القول المعارض للفعل إذا كان مختصا بالأمة دونه صلى الله عليه وسلم تعارض القول والفعل في خصوص الأمة ولم يتعارضا في حقه صلى الله عليه وسلم، لأن القول لم يتناوله أصلا حتى يعارض الفعل، ومحل تعارضهما في الأمة إذا دل الدليل على استواء الأمة معه في الفعل. كما لو قال: صوم عاشوراء واجب عليكم، وترك صومه تشريعا لأمته، فالقول والفعل إذا متعارضان في حق الأمة والمتأخر منهما ناسخ، وإن جهل، فقيل يرجح الفعل، وقيل يرجح القول، وقيل بالوقف على نحو ما تقدم، وذلك هو معنى قوله: (والناسخ الذي مضى) وقوله: (والجهل في ذلك التفصيل) .
وقوله: (إن بالتأسي أذن الدليل) يعني أن محل تعارضهما في الأمة فيما إذا أذن الدليل بالتأسي أي دل الدليل على الاقتداء به في الفعل، و (أذن) هنا بمعنى الإعلام أي أعلم الدليل بالتأسي وهو الاقتداء، أما إن لم يدل الدليل على التأسي في الفعل، فلا معارضة بينهما في حق الأمة أيضا. والتعارض في الاصطلاح هو: التقابل بين شيئين على وجه يمنع كل منهما مقتضى الآخر أو بعض مقتضاه.
512 وإن يعم غيره والاقتدا = به له نص فما قبل بدا
يعني أن القول إذا كان يشمل النبي صلى الله عليه وسلم مع الأمة والحال أن النص دل على أن الأمة مثله في الفعل المعارض للقول، فحكم المسألة حكم ما مضى قبل، وهو أن المتأخر ناسخ في حقه وحق الأمة إن علم، وإن جهل