الصفحة 129 من 263

الأولى: أن يكون شرع من قبلنا فيها شرعا لنا بلا خلاف، وهي ما إذا ثبت في شرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا، ثم نص لنا في شرعنا أنه شرع لنا كالقصاص، لأن الله بين أنه كان شرعا لمن قبلنا بقوله: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} الآية، ونص على أنه شرع لنا أيضا في قوله: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص} الآية.

الثانية: ليس شرعا لنا فيها بلا خلاف، وهي في صورتين، إحداهما: ما لم يثبت بشرعنا أصلا ولو زعموا أنه من شرعهم. والأخرى: ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعا لهم ونص لنا على أنه ليس شرعا لنا، كالآصار والأثقال التي شرعت على من قبلنا، كإيجابه على بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم توبة من عبادة العجل المنصوص في قوله: {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} فإن هذه الآصار رفعت عنا كما قال تعالى: {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} وثبت في (صحيح مسلم) أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ: {ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} (( قال الله: قد فعلت ) )

الثالثة: هي محل الخلاف، وهي ما إذا ثبت بشرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا ولم ينص في شرعنا على أنه مشروع لنا ولا غير مشروع، والجمهور على أنه شرع لنا خلافا للشافعي، وحجة الجمهور: أنه ما ذكر لنا في شرعنا إلا للاعتبار كما قال تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} ، وثمرة الاعتبار العمل، وقد حض تعالى في آيات كثيرة على الاعتبار بأحوال الأمم الماضية.

ومما استدل به الجمهور: أن الله لما ذكر الأنبياء في سورة الأنعام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} وقد تقدم أن الأصح أن الأمر للوجوب، وأن الأمة تدخل تحت الخطاب الخاص به صلى الله عليه وسلم. واستدلوا أيضا بقوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} الآية، وبقوله: {ويهديكم سنن الذين من قبلكم} .

واحتج الإمام الشافعي على أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا بقوله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} وقال: إن الهدى في قوله: {فبهداهم اقتده} والدين في قوله: {شرع لكم من الدين} المراد به العقائد دون الفروع العملية بدليل الآية المذكورة.

والحق أنه لا يختص بذلك لما ثبت في (صحيح البخاري) عن مجاهد أنه سأل ابن عباس: من أين أخذت السجدة في (ص) ؟ فقال: {ومن ذريته داود} إلى قوله: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} فسجدها داود فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا نص صريح مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثابت في (صحيح البخاري) على أن سجود التلاوة داخل في قوله: {فبهداهم اقتده} وهو ليس من العقائد بالإجماع، فظهر عدم الاختصاص بالعقائد.

وأجاب الجمهور عن احتجاج الشافعي بقوله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} بأن المراد بها نسخ بعض ما كان مشروعا أو زيادة ما لم يكن مشروعا وكلاهما ليس من محل النزاع، ولم يزل العلماء يستدلون على الأحكام بالقصص الماضية، كاستدلال المالكية وغيرهم على أن القرينة الجازمة ربما تكفي في البينة بجعل شاهد يوسف قرينة شق القميص من دبر مقتضية صدق يوسف وكذب امرأة العزيز المنصوص في قوله: {وشهد شاهد من أهلها} إلى قوله: {فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن} الآية، ولذا صارت القرينة تكفي عن البينة في أمور كثيرة، كقول مالك: إن من استنكه فشم من نكهته رائحة الخمر أنه يجلد جلد الشارب. وكمسيس الزوجة التي تزوجها ولم يرها وزفت إليه مع نساء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت