الصفحة 136 من 263

547 ومالك بما سوى ذاك نخع =

يعني أن مالكا رحمه الله (نخع) أي نطق وقال بوجوب العمل بخبر الواحد في جميع الأمور الدينية، وكذلك قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وعامة الأصوليين والفقهاء والمحدثين.

وقد دل على العمل به العقل والنقل، أما دلالة العقل فهي أنه لو لم يعمل به لتعطل جل الأحكام لأن غالبها ثابت بالآحاد، والتالي باطل فالمتقدم مثله.

وأما دلالة النقل فإنه دل عليه الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، والمخالف فيه من المعتزلة محجوج بانعقاد الإجماع قبله.

أما دلالة القرآن عليه ففي قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} يفهم من دليل خطابه أن الجائي بنبأ لو كان غير فاسق لما لزم التبين وذلك يفيد العمل بخبره وقوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم} الآية، فإن هذه الطائفة النافرة المنذرة قومها آحاد، والآية تدل على قبول خبرها، ولم يقل أحد إنها لا بد أن تكون يحصل بها التواتر المفيد للقطع.

وأما دلالة السنة فإنه صلى الله عليه وسلم كان يرسل الرسول الواحد والرسولين في مهمات الدين، ولو لم يكن ذلك حجة لما أرسل إلى الناس من ليس في خبره حجة.

وأما الإجماع فقد اشتهر بين الصحابة الرجوع إلى أخبار الآحاد من غير نكير، ومن تتبع وقائعهم في ذلك حصل له العلم بأنه لا مخالف منهم في ذلك، فمن ذلك رجوع عمر بن الخطاب إلى خبر عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر، وكرجوع أبي بكر رضي الله عنه لخبر المغيرة بن شعبه ومحمد بن مسلمة في ميراث الجدة بعد أن قال لها: ما لك في كتاب الله شيء ولا علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا. ورجوع عمر إلى قولهما في دية الجنين أنها غرة. وكرجوع الصحابة لخبر عائشة في وجوب الغسل من التقاء الختانين.

فإن قيل: لم يقبل أبو بكر خبر المغيرة في ميراث الجدة حتى شهد معه محمد بن مسلمة، ولم يقبل عمر بن الخطاب حديث أبي موسى في الاستئذان حتى شهد معه أبو سعيد الخدري، ولم تقبل عائشة خبر ابن عمر أن الميت يعذب ببكاء أهله، ولم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم خبر ذي اليدين في السهو في الصلاة حتى شهد معه أبو بكر وعمر.

فالجواب: أن أبا بكر لم يرد خبر المغيرة في ميراث الجدة وإنما طلب غيره معه تثبتا وزيادة للتأكيد وذلك لا يقتضي رد الخبر، كما جاء في القرآن نظيره عن إبراهيم - عليه السلام - في قوله: {أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} مع أنه حجة أيضا على قبول أبي بكر خبر الآحاد، لأن الاثنين آحاد بالإجماع. وأن عمر بن الخطاب صرح في بعض روايات الحديث بأنه لم يتهم أبا موسى، وإنما فعل ذلك سدا للذريعة لئلا يتجرأ الناس على التقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أيضا حجة على قبول عمر خبر الآحاد مع أنه ثبت في الصحيح رجوعه لخبر عبد الرحمن بن عوف وحده في أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الجزية من مجوس هجر، وأن عائشة رضي الله عنها لم تقبل برد خبر ابن عمر وإنما ظنت أنه غالط في خصوص هذا الحديث لظنها أن الآية تكذبه وهي قوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ، ويدل لذلك ما ثبت في (صحيح مسلم) من رواية القاسم بن محمد أن عائشة رضي الله عنها قالت في حديث ابن عمر المذكور: (إنكم لتحدثون عن غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطئ) وهو صريح فيما ذكرنا. وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما لم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت