فهرس الكتاب
الإقدام على العبادة إلا على وجهها الشرعي لأن الله يقول: {آلله أذن لكم أم على الله تفترون} وقول المؤلف: (وذا التعبد) يعني أن هذا الذي لا يجزئ قبل وقته ولا يجوز الإقدام عليه هو ما تمحض للتعبد كالصلاة والصوم.
وقوله: (يقدم) الأخير مضارع أقدم على الأمر إذا تقدم إليه والأول مضارع قدم مضعفا أي فعل الفعل قبل وقته.
... وما تمحضا = للفعل فالتقديم فيه مرتضى
يعني أن الفعل إذا تمحض للفعل يعني المفعولية يرتضى تقديمه قبل وقته لأنه جائز مجز وتقريبه للذهن: أن يكون المقصود من الفعل ثمرة ظاهره معقولة تحصل بمجرد إيقاع الفعل كقضاء الدين ورد الوديعة والمغصوب فتقديمه قبل وقت اللزوم جائز مجز ما لم يشتمل التقديم على أمر محرم نحو: (ضع وتعجل) فيمنع لذلك العارض.
116 وما إلى هذا وهذا ينتسب = ففيه خلف دون نص قد جلب
يعني أن المنتسب إلى هذا وهذا أي ما فيه شائبة التعبد وشائبة المفعولية كالزكاة فإنه يختلف في تقديمه هل يجوز ويجزئ أم لا؟ فالقول بالتقديم نظرا لما فيه من شائبة المفعولية والقول بعدمه نظرا لما فيه من شائبة التعبد فالزكاة مثلا من حيث قصد سد خلة الفقير كقضاء الدين ونحوه من حيث حصول الثمرة بمجرد الفعل ومن حيث التنصيص على القدر المخرج والقدر المخرج منه فهي أمر تعبدي غير معقول المعنى وكيف يعقل الإنسان وحده أن زكاة مائة وعشرين من الغنم كزكاة الأربعين.
وقوله: (دون نص قد جلب) يعني أن محل الخلاف في المتردد بين التعبد والمفعولية هل يقدم قبل وقته أم لا؟ فيما إذا لم يرد نص بجواز التقديم والإجاز بلا خلاف ومثال ما ورد النص بجواز تقديمه الوضوء فإن متردد بين التعبد والمفعولية لأن خصوص هذه الأعضاء دون غيرها ولزوم غسلها للمحدث ولو نظيفة أمر تعبدي لا تظهر فيه حقيقة نتيجة الفعل كظهورها في غير التعبدي.
وكون الوضوء ينظف هذه الأعضاء معقول المعنى لأن التنظيف تحصل ثمرته بمجرد الفعل ولذا كان أبو حنيفة لا يشترط النية في طهارة الحدث قائلا: إنها كطهارة الخبث وأن المقصود بالكل النظافة إلا أن الوضوء أجمع المسلمون على جواز تقديمه قبل دخول وقت الصلاة فهو خارج بالنص وذلك هو معنى قول المؤلف: (دون نص) .
117 وقال إن الأمر لا يوجه = إلا لدى تلبس منتبه
يعني أن قوما من الأصوليين لهم انتباه في الفن زعموا أن الأمر لا يتوجه إلا عند مباشرة الفعل وكذلك كل الأحكام التكليفية عندهم زاعمين أن القوة المستجمعة لشرائط التأثير لا توجد إلا عند المباشرة لأن المؤثر التام لا يتخلف عنه أثره فدل عدم وجود الفعل قبل المباشرة. على عدم تمام المؤثر والتكليف عندهم لا يتوجه إلا عند القدرة التامة على التأثير وإذا قيل لهم يلزم على هذا أن يترك الإنسان المباشرة فلا يتوجه إليه خطاب بتكليف أبدا أجابوا بأن اللوم المتوجه من عدم مباشرة الفعل قبل التلبس مرتب على التلبس بضده وهو الكف عن الفعل وهو معنى قول المؤلف:
118 فاللوم قبله على التلبس = بالكف وهي من أدق الأسس
وزعم ابن السبكي أن هذا هو التحقيق والذي يظهر أنه خلاف التحقيق وأن الإنسان مكلف بالفعل قبل الشروع فيه مأمور بأن يباشره وهذا مبني على قاعدة قررها المتكلمون من الأشاعرة وغيرهم وهي قاعدة باطلة بالعيان لا دليل عليها يجب الرجوع إليه من عقل ولا سمع وهي قولهم: إن العرض لا يبقى زمانين لاستحالة ذلك فالقدرة على الفعل عندهم