فهرس الكتاب
ومن موانع التأسيس كون الأمر الأول مستغرقًا للجنس والثاني يتناول بعض أفراده نحو: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى} ومنها العهد نحو: صل الركعتين صل الركعتين، وكذا إذا دلَّت قرينة حال على التأكيد.
271 وإن يكن عطف فتأسيسٌ بلا = منعِ يُرى لديهمُ معوِّلا
يعني أن الأمر إذا كُرِّر مع العطف فالتأسيس عند عدم المانع منه يُرى عند الأصوليين معوِّلًا عليه ومعتمدًا عليه لأن العطف يقتضي المغايرة، واختاره القاضي. وقال القاضي عبد الوهاب: وهو الذي يجري على قول أصحابنا، وقيل: للتأكيد لأن الأصل براءة الذمة.
272 والأمر للوجوب بعدَ الحظل = أو بعد سؤْلٍ قد أتى للأصل
يعني أن الأمر اللفظي حقيقة في الوجوب إذا ورد بعد الحظل لمتعلقه عند قدماء أصحاب مالك والباجي [من المتأخرين] وأصحاب الشافعي خلافًا لبعض أصحابنا وأصحاب الشافعي في أنه للإباحة، فمن استعماله في الوجوب قوله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} . ومن استعماله في الإباحة: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} .
قوله: (أو بعد سُؤْل قد أتى للأصل) يعني أن الأمر اللفظي إذا ورد بعد سؤال فهو حقيقة في الوجوب كما يقال لمن قال: أأفعل كذا؟ افعله. ومنه في غير الوجوب حديث مسلم: أأصلي في مرابض الغنم؟ قال: (( نعم ) )فإنه بمعنى صلِّ فيها. وقوله (للأصل) تعليل لإتيانه للوجوب أي إنما أتى فيها ذكر للوجوب بناءً على أن الوجوب هو مسمَّى الأمر حقيقة.
273 أو يقتضي إباحة للأغلب = إذا تعلِّقَ بمثل السبب
يعني أن الأمر الوارد بعد الحظر يقتضي عند القاضي عبد الوهاب الإباحة (للأغلب) أي لأن الغالب في عرف الشرع استعماله فيها إذا تعلق الحظر السابق عليه (بمثل السبب) أي بعلة أو شرط أو غاية وورد الأمر بعد ما زال ما عُلَّق عليه، وهذا هو مذهب أهل العلم كقوله تعالى: {وإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} فإن حظر الاصطياد أي تحريمه مُعلق على علة هي الإحرام، وقد ورد الأمر بالاصطياد بعد ما زالت تلك العلة.
274 إلا فذي المذهبُ والكثيرُ = له إلى إيجابه مصيرُ
أي وإلا يكن الحظر السابق على الأمر مُعلقًا على سبب أو شرط أو مانع بأن كان غير معلق على شيء مما ذُكِر (فذي) أي الإباحة هي مذهب مالك وأصحابه أي هي مدلوله عندهم، والكثير من أهل الأصول لهم مصير إلى إيجابه أي إلى كونه للوجوب، فتحصل في ورود الأمر بعد الحظر ثلاثة أقوال قولان مطلقان قول مفصل.
275 بعد الوجوب النهيُ لامتناع = للجلَّ والبعض للاتِّساع
يعني أن النهي اللفظي إذا ورد بعد الوجوب فهو لامتناع أي تحريم ذلك الواجب عند جل أهل الأصول، فتقدم الوجوب ليس قرينة صارفة له عن أصل وضعه الذي هو التحريم. وقال بعض الأصوليين: إن النهي بعد الوجوب للاتساع أي الإباحة لأن النهي عن الشيء بعد وجوبه يرفع طلبه فيثبت التخيير فيه.
276 وللكراهةِ برأيٍ بانا = وقيل للإِبْقا على ما كانا
يعني أن النهي الوارد بعد الوجوب بانَ أي ظهر كونه للكراهة في رأي بعضهم، و (قيل للإبقا) أي وقال بعضهم: إن النهي بعد الوجوب للإبقاء على ما كان عليه الفعل المنهي عنه قبله من تحريم لكون الفعل مضرة أو إباحة لكونه منفعة وإنما هو لإسقاط الوجوب فقط ويرجع الفعل إلى ما كان عليه.