فهرس الكتاب
والثاني: أن يكون المحكوم عليه في الثاني من جنس الأول إلا أن الحكم على الثاني ليس بنقيض الحكم الأول كقوله تعالى: {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى} فإنه استثناء منقطع على التحقيق، مع أن المحكوم عليه في الثاني هو عين المحكوم عليه في الأول، إلا أن الحكم على الثاني ليس نقيضا للحكم على الأول لأن الحكم على الأول عدم ذوق الموت في الآخرة، والحكم على الثاني ذوقه الدنيا، وذوقه في الدنيا ليس نقيضا لذوقه في الآخرة.
وقوله: (ورجحا جوازه) يعني أن المرجح عند علماء الأصول جواز وقوع الاستثناء المنقطع، خلافا لأحمد وأصحابه القائلين بعدم جوازه في اللغة، لأن الاستثناء إخراج لما دخل، وما لم يدخل لا يمكن إخراجه. وحجة الجمهور: كثرة وقوعه في القرآن وفي كلام العرب، فمن أمثلته في القران قوله تعالى: {ما لهم من علم إلا اتباع الظن} ومعلوم أن اتباع الظن ليس من جنس العلم، وقوله تعالى: {لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما} وقوله تعالى: {لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما} وقوله تعالى: {وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه} الآية.
ومن أمثلته في كلام العرب قول نابغة ذبيان:
وقفت فيها أصيلا لا أسائلها = عيت جوابا وما بالربع من أحد
إلا الأواري لأيا =
(الأواري) ليس من جنس (الأحد) وهي مرابط الخيل.
وقول بعض شعراء بني تميم:
وبنت كريم قد نكحنا ولم يكن = لها خاطب إلا السنان وعامله
وقول الراجز:
يا ليتني وأنت يا لميس = ببلدة ليس بها أنيس
إلا اليعافير وإلا العيس
وقوله: (وهو مجازا وضحا) ، يعني أن الاستثناء المنقطع وضح حال كونه مجازا، وسيأتي بقية الأقوال فيه من كونه مشتركا أو متواطئا بين المتصل والمنقطع.
397 فلتنم ثوبا بعد ألف درهم = للحذف والمجاز أو للندم
398 وقيل بالحذف لدى الإقرار = والعقد معنى الواو فيه جار
قوله: (فلتنم) يعني فلتنسب وهو مجزوم بلا الأمر. وقوله: (ثوبا بعد ألف درهم) يعني أنه لو قال: (له علي ألف دينار إلا ثوبا) أنه ينسب قوله: (إلا ثوبا) للحذف على قول، وللمجاز على قول، وللندم على قول.
أما نسبته للحذف فالمراد به حذف المضاف المدلول عليه بالاقتضاء، وتقديره: إلا قيمة ثوب. وأما نسبته للمجاز فالمراد أن الثوب أطلق وأريدت قيمته مجازا علاقته البدلية وهي: أن القيمة بدل عن الثوب عادة، وقد تقرر عندهم أن البدلية والمبدلية من علاقات المجاز المرسل، وقد تقدم للمؤلف أن المجاز قبل الإضمار في قوله: (وبعد تخصيص مجاز فيلي الإضمار) إلخ، وعليه فالأولى جعله مجازا دون تقدير المحذوف، ومعنى القولين واحد، لأن المعنى على كليهما أنه استثنى قيمة الثوب، سواء عبرنا عن ذلك بالمجاز أو الحذف. وأما نسبته للندم فمعناه أن الألف تلزمه كلها ويعد قوله: (إلا ثوبا)