فهرس الكتاب
فتناول رضي الله عنه بابًا كان عند الحصن فترَّس به عن نفسه ولم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ثم ألقاه من يده حين فرغ، قال أبو رافع: فلقد رأيتني في نفر سبعة معي أناثًا منهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه، وهو ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حُنين وكان يقاتل بين يديه وعمه العباس ممسك لجام البغلة.
ومن كلامه في يوم الجمل قوله: بليت بأنضى الناس، وانطق الناس، وأطوع الناس، وكان يعلَى بن أمية أكثر أهل البصرة مالًا وهو الذي جهز أكثر جيش عائشة.
ومعنى أنضى الناس: أكثر الناس مالًا، وأنطق الناس؛ يعني: طلحة رضي الله عنه، وكان طلحة من الفصحاء المشهورين، وأطوع الناس؛ يعني: عائشة؛ لأنها أم المؤمنين، وجاءه ابن صوحان وهو ينعَس بالليل، فقال: أتنام يا أمير المؤمنين وأصحاب طلحة قد كشفونا؟ فوثب وقد كان قال: لا تبدؤُوهم بالقتال حتى يبدؤوكم، فأخذ الراية من يد ابنه محمد بن الحنفية، وحمل بها وضرب بسيفه حتى انثنى ثم رجع فقوَّموه ودفع الراية لابنه، وقال: هكذا فقاتل لا أمَّ لك، وقال في ذلك اليوم للأشتر وكان علي ميمنته أحمل فحمل فكشف مَن بإزائه، وقال لهاشم المرقال بن عتبة بن أبي وقاص، وكان على ميسرته أحمل فحمل فكشف من بإزائه فقال لأصحابه كيف رأيتم ميمنتي وميسرتي، وكان رضي الله عنه في أيام صِفين يخرج كل غداة في سَرَعَان الخيل فيقف بين الصَّفين، ثم ينادي: يا معاوية، علامَ يقتل الناس بيننا ابرز لي
/33 وأبرز إليك، فيكون الأمر لمن غلب، فقال عمرو بن العاص: أنصفك الرجل فقال له معاوية رضي الله تعالى عنه: أردتها يا عمرو والله لا رضيت عنك حتى تبارز عليًّا فبرز إليه فلما غشيه بالسيف رمى بنفسه إلى الأرض وأبدى سوأته فضرب عليٌّ وجه فرسه وانصرف عنه فجلس معه معاوية يومًا ونظر إليه فضحك فقال عمرو: أضحك الله سنَّك ما الذي أضحكك؟ قال: من حضور ذهنك يوم بارزت عليًّا إذ أتَّقيته بعورتك، أما والله لقد صادفت منَّانًا كريمًا، ولولا ذلك لخذم رَفغيك بالرمح، فقال عمرو: وأما والله إني عن يمينك إذ دعاك إلى المبارزة فاحولَّت عيناك وربا سحَرك وبدا منك ما أكره ذكره لك.
وبارزه بُسْرُ بن أرطاة من أصحاب معاوية أيضًا فلما غشيه علي بالرمح فعل مثل ما فعل عمرو بن العاص، فقال شاعر من أصحاب علي يعير أهل الشام:
أفي كل يوم فارسٌ غيرُ مُنْتَهٍ ... وسوأته تَحت العَجاجةِ باديهْ ...
يكف عُلا عنها عليٌّ سنانَه ... ويضحك منها في الخلاء معاويه ...
فقولا لعمرو وابن أرْطاةٍ انظرا ... سبيلكما لا تُغضِبا الليثَ ثانيه