الصفحة 34 من 64

وروى الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه عن علي رضي الله عنه، قال: ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم جمع أبويه لأحد إلَّا لسعد بن مالك؛ فإني سمعته يقول يوم أحد: «ارْمِ سعدُ فداك أبي وأمي» ، ورمى يوم الخندق رجلًا من المشركين فوقع السهم في نحره فوقع مستلقيًا وبدت عورته فضحك رسول الله

/42 صلى الله عليه وسلم والمسلمون، وكان هذا المشرِك آذى المسلمين يرميهم ويشتمهم حتى رمى أمَّ أيمن بسهم فأصاب ذَيْلها فضحك عليها وكانت جاءت تسقي الجرحى.

ولما ملَّكَتِ الفرسُ يزدجرد ووجه وزيره رستم قائدًا لجيش جرَّار إلى القادسية لحرب المسلمين وبلغ ذلك الفاروق، خرج من المدينة في عسكر من أكابر الصحابة وغيرهم إلى طريق العراق، فاستشار من معه في الذهاب إلى العراق بنفسه لمحاربة فارس فأشار عليه العامة بذلك، وقالوا: نحن معك، وأشار عليه خواص الصحابة عليٌّ وغيره بإرسال بطل محنَّك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإمداده بالجنود، فقال: ومَن هو؟ فقالوا: هو الأسد عادِيًا سعد بن مالك، وكان سعد عاملًا له على صدقات هوازن فبعث إليه فجاءَه فولاه قائدًا عامًّا على حرب فارس، وأمدَّه بالجنود فَثلَّ عروش فارس بالقادسية وفتح مدائن كسرى عاصمة ملكهم ودخلها، ولما لم يوافق المسلمين هواؤها بنى لهم مدينة الكوفة بأمر الفاروق، وفتح أكثر بلاد فارس، وثلَّ عروشهم أيضًا بجلولاء فقتل منهم بها مائة ألف، وكان قائد جيش المسلمين بها ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال بعثه عمه سعد إليهم في اثني عشر ألفًا من المسلمين.

وولاه الفاروق على الكوفة بعدما بناها فشكاه أوباشُها بَغيًا فعزله عنهم، وقال في وصيته بعد طعنه كما تقدم: إن أصابت الخلافة سعدًا فذاك، وإلا فلْيستعن به من يتولى؛ فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة، وقد ولاه عثمان رضي الله عنه ثم عزله، وقد دعا سعد رضي الله عنه وكان مستجاب الدعوة على أولئك الأوباش الباغين عليه، فاستجيب له فيهم كلهم، وقصصهم في ذلك مذكورة في كتابي ابن جرير وابن الأثير وغيرهما.

روى الترمذي من حديث قيس بن أبي حازم عنه رضي الله عنه أن النبي

/43 صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم استجب لسعد إذا دعاك» ، فكان لا يدعو إلا استجيب له.

وروى أبو العباس السراج في «تاريخه» عن جرير بن عبد الله البَجَلي رضي الله عنه أنه مرَّ بأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه فسأله عن سعد بن أبي وقاص، فقال: تركته في ولايته أكرم الناس مقدرة وأقلهم قسوة، هو لهم كالأم البرَّة يجمع لهم كما تجمع الذرة، أشد الناس عند البأس، وأحب قريش إلى الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت