الصفحة 45 من 64

والكيول آخر الصفوف، فلما اقتتل الناس وحميت الحرب قاتل قتالًا شديدًا حتى أمعن في الناس فجعل لا يلقى أحدًا إلا قتله، وكان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحًا إلا ذَفَّفَ عليه فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه فدعوت الله أن يجمع بينها فالتقيا فاختلفا ضربتين فضرب المشرك أبا دجانة فاتّقاه بدَرقَته فمضت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقلته، ثم رأيته قد حمل السيف على رأس هندٍ بنت عُتبة امرأةِ أبي سفيان ظانا أنها رجل؛ لأنها كانت تضرب المسلمين بعمود في يدها فولولت فعدّل عنها، قال الزبير: فقلت له: لِمَ لمْ تضربها؟ فقال: أكرمت سيفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضربَ به رأس امرأة [1] واستشهد يوم اليمامة بعد أن أبلى بلاءً عظيمًا، وكان بنو حنيفة لما انهزموا دخلوا حديقة لهم تعرف بحديقة الموت وقفلوا باب السور فلم يجد الصحابة منفذًا للدخول عليهم، فقال لهم أبو دجانة: أصعدوني على السور حتى أفتح لكم، فألقى نفسه ودخل السور وقاتلهم وحده حتى وصل الباب وفتحه فدخل الصحابة فوجوده مقتولًا وحوله جماعة من بني حنيفة مقتولين، وهو الذي شارك وحشِيًّا في قتل مسيلِمة الكذاب في قول.

البراء رضي الله عنه

هو ابن مالك بن النضر أخو أنس بن مالك خادِم النبيَّ صلى الله عليه وسلم من أبيه الشجاعُ الباسل، والغضنفر الصائل شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عدا بدرًا، وكان رضي الله عنه إذا اشتبكت الحرب تأخذه نُفْضَةُ شديدة فيبرك عليه رجال حتى يسكن ثم يقوم فيبول دمًا، ويَهجِم على العدوِّ مثل الأسد فيحصد كل من دهمه.

ولاَّه خالد بن الوليد يوم اليمامة على الخيل ثم عزله وجعله على الرِّجالة وولى على الخيل أسامة بن زيد فلم يغن غَناءه، فلما اشتد البأس وانهزم الأعراب بالصحابة ناداه خالد أن اركب في الخيل يا براء، فقال له: أين الخيل الآن وقد عزلتني، وتشتت الناس؟ فقال خالد: اركب ليس هذا بوقت عتاب فركب وطلع على رَبْوة ونادى: يا خيل الله، ويا لَلْمهاجرين والأنصار إليَّ أنا البراء بن مالك فثابت إليه الخيل من كل ناحية قائلين لبيك لبيك، فحمل بهم على بني حَنيفة حملة ضعضعهم بها وفعل أفعالًا عظيمة في ذلك اليوم، ودخل حديقة الموت على مسيلمة، ويقال: هو الذي قتله، وجرح في ذلك اليوم جراحات عظيمة فجلسوا يداوونه شهرًا.

وحضر فتوح فارس وكان له بها اليد البيضاء، واستشهد بحصن تستر.

(1) في مغازي الواقدي: أن المرأة هي عمرة بنت الحارث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت