وقوله: ولم ينقل عن أحد من الأئمة الثلاثة خلافه.
أقول: فيه افتراء عليهم أيضًا؛ فأي كلام من كلماتهم يدل على النهي، وفي أي كتاب ذكروه، بل هذه كتبهم تكذبه، وأنى له إثبات هذه الدعوى، ولعمري إنها من دون تصريح أحد من هؤلاء الأئمة، ولا تقل عنهم جراءة عظيمة ونقمة كبيرة.
وقوله: وإليه ذهب جماعة من أصحاب الشافعي وأحمد.
أقول: قد غلطهم المحققون كالغزالي والنووي في ذلك كما مر، وبينته في كتابي (( سعادة الدارين ) )بما لا مزيد عليه، وسيجي ء بعضه.
وقوله: واحتج الشيخ لمن قال بمنع شد الرحال، وإعمال المطي إلى القبور بالحديث المشهور المتفق على صحته وثبوته من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لا تشد الرحال إلا ثلاثة مساجد: مسجدي هذا ... ) )إلخ.
أقول: لا حجة له في هذا الحديث على ما زعم لما بينه الإمام السبكي في شفائه، وبسطته في كتابي السابق ذكره.
ومنه أن المعنى: لا تشد الرحال إلى مسجد لأجل تعظيمه، والتقرب إلى الله تعالى بالصلاة فيه إلا إلى المساجد الثلاثة؛ لتعظيمها بالصلاة فيها، لا أنه لا يسافر أصلًا إلا لها بدليل ذكر مساجد فيه، فإن لفظها مشعر بذلك، وبدليل ما رواه الإمام أحمد في مسنده، وابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، مرفوعًا أيضًا بسند حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها إلى مسجد تبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام ... إلخ ) ).
وذكره الخصم فيما سياتي في أول صفحة (242) ، وفي رواية عند أبي يعلى، وابن خزيمة، والطبراني، والضياء، والإمام أحمد بالسند المذكور أيضًا: (( لا تشد الرحال إلى مسجد يذكر الله فيه إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ... الخ ) ).
فالحديث إنما ورد في المساجد التي يصلى فيها كما أيدته الأحاديث الأخر، والنهي @