الصفحة 20 من 231

الهجرة قد نص على كراهية قول القائل: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان هذا اللفظ معروفًا عنده أو مشروعًا أو مأثورًا عن النبي صلى الله عليه لم يكرهه، ولو كان هذا الحديث المذكور من أحاديث نافع التي رواها عن ابن عمر لم يخف على مالك.

أقول: الملازمة الثانية ليس فيها المتقدم مستلزمًا لتاليها، فلا يضر في الاحتجاج بالأحاديث تفرد بعض رواتها وعدم وصولها إلى كثير من رواتها.

والملازمة الأولى أيضًا كذلك؛ فإن لكلامه محامل ذكرها جمع من الأماثل، ولم يقتصر مالك على كراهة إطلاق زيارة القبر النبوي بل كره إطلاق طواف الزيارة وغيره، أيضًا فلا يدل ذلك على أنه غير شرعي.

وقد ذكر القاضي عياض المالكي في كتابه (( الشفاء ) )لكلامه وجوهًا رد بعضها، واختار بعضها فقال: كره مالك أن يقال: زرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد اختلف في معنى ذلك فقيل: كراهة الاسم؛ لما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم: (( لعن الله زوارات القبور ) )، وهذا يرده قوله: (( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ) )، وقوله: (( من زار قبري ) )؛ فقد أطلق الاسم، وقيل: لأن الزائر أفضل من المزور، وليس بشيء إذ ليس كل زائر بهذه الصفةـ وقد ورد في حديث أهل الجنة زيارتهم لربهم، ولم يمنع هذا اللفظ في حقه تعالى.

وقال أبو عمران: إنما كره مالك أن يقال: طواف الزيارة وزرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لاستعمال الناس بينهم ذلك بعضهم لبعض، وكره تسوية النبي صلى الله عليه وسلم مع سائر الناس بهذا اللفظ، وأن يخص بأن يقال: سلمنا على النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضًا فإن الزيارة مباحة بين الناس وواجب شد المطي إلى قبره، يريد بالوجوب هاهنا وجوب ندب وترغيب وتأكيد، والأولى عندي: أن منعه وكراهة مالك له لإضافته إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لو قال: زرنا النبي صلى الله عليه وسلم لم يكرهه لقوله - صلى الله عليه وسلم: (( اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) ). @

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت