فهرس الكتاب
ثم قال أبو الوليد: وقيل: إنه كره لفظ الزيارة في الطواف بالبيت، والمضي إلى قبر النبي؛ لأن المضي إلى قبره ليس ليصله بذلك، ولا لينفعه بهن وكذلك الطواف بالبيت، وإنما يفعل رغبة في الثواب على ذلك من عند الله تعالى انتهى كلام ابن رشد.
وقد وقع فيه كراهة مالك قول الناس: زرت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يرد ما قاله عياض فأما كراهة إسناد الزيارة إلى القبر: فيحتمل أن تكون العلة فيه ما قاله عياض، وأن تكون العلة فيه ما قاله أبو عمران وابن رشد.
وأما إضافة الزيارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم إن ثبت عن مالك، فيتعين أن تكون العلة فيه ما قاله أبو عمران وابن رشد، والمختار في تأويل كلام مالك ما قاله ابن رشد دون ما قاله عياض؛ لأن ابن المواز حكى في كتابه من (( كتاب الحج ) )قال أشهب: قيل لمالك فيمن قدم معتمرًا ثم أراد أن يخرج إلى رباط، أعليه أن يودع؟ قال: هو من ذلك في سعة.
ثم قال: لا يعجبني أن يقول أحد الوداع، وليس هو من الصواب، وإنما هو الطواف، قال: وأكره أن يقال الزيارة، وأكره ما يقول الناس: زرت النبي صلى الله عليه وسلم، وأعظم ذلك أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يزار.
وقال مالك في وداع البيت ما يعرف في كتاب الله ولا سنة نبيه الوداع، وإنما هو الطواف بالبيت، قلت لمالك: أفترى هذا الطواف الذي يودع به أو الالتزام؟ قال: بل الطواف، وإنما قال فيه عمر آخر النسك الطواف بالبيت، قيل لمالك: فالذي يلتزم أترى له أن يتعلق بأستار الكعبة عند الوداع؟ قال: لا ولكن يقف ويدعو، قيل له: وكذلك قبر النبي صلى الله عليه وسلم قال: نعم انتهى، ما أردت نقله من الموازية، وهو من أجل كتب المالكية القديمة المعتمد عليها.
وسياق حكاية أشهب عن مالك يرشد إلى المراد، وأن مالكًا إنما كره اللفظ في طواف الوداع انتهى كلام السبكي.
أي: ومع ذلك لا نسلم أن زرنا النبي صلى الله عليه وسلم يوهم ما قاله ابن رشد؛ لأن كل مسلم علم جلالته صلى الله عليه وسلم، وأن كل أحد من أمته وإن جلت مرتبته مفتقر إلى التبرك به والمثول بحضرته صلى الله عليه وسلم، ولا يخطر له ــ معاذ الله ــ أنه يصله بذلك وينفعه به انتهى.
وبهذا ظهر بطلان قوله ــ أي: الخصم ــ ولو كان هذا اللفظ معروفًا عنده، مشروعًا @