الصفحة 24 من 231

أو مأثورًا عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكرهه، فإنه لا تلازم بين معروفيته ومشروعيته ومأثوريته وبين عدم كراهته، فإن كراهته يحتمل أن تكون لوجوه أخر ذكرها أصحاب مذهبه كما علمت، وهم أعرف بمذهبه من أصحاب غير مذهبه، وإن كان هذا اللفظ معروفًا ومشروعًا، ولا يستلزم كراهة إطلاق لفظ الزيارة منسوبًا إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى نفسه عدم مشروعيته وعدم معروفيته وعدم مأثوريته.

أما قرع سمعك ما نقله السبكي في كتابه المذكور عن أئمة المالكية من أن مالكًا قد كره إطلاق لفظ العتمة على العشاء، وكره إطلاق لفظ الزيارة على طواف الزيارة وإطلاق طواف الوداع على طواف الإفاضة، فهل يقول عاقل: إن هذا يدل على عدم مشروعيته ومأثوريته، ولو سلمنا أن هذا اللفظ لم يكن معروفًا؛ ولذلك كرهه مالك، فهل يلزم من ذلك عدم الاحتجاج برواية وردت بإطلاقه؟ فلعلها لم تبلغ الإمام مالكًا، ولا عجب في ذلك، فقد ثبت عنه لا أدري في مسائل عديدة، وهو غير قادح في جلالته الشهيرة.

وكذا ظهر بطلان قوله فيما يأتي أيضًا في صفحة (260) إنما كره مالك إطلاق هذا اللفظ؛ لأنه لم يثبت عنده فيه حديث، ولم يصح فيه عنده خبر بخصوصه انتهى، فإنه بتسليم ما ذكر يقال لا يوقف إطلاق لفظ على شيء بعد صحة مبناه ومعناه على وروده في الشريعة بخصوصه، ولا يكون مجرد هذا الأمر توجيهًا لكراهته، فكم من ألفاظ لم ترد في النصوص بخصوصها، ولم يكره أحد من الأئمة إطلاقها، كيف والنصوص الشرعية إنما تؤخذ منها الأحكام لا إطلاق الألفاظ وتصحيح الكلام.

وقوله: وقد قال الحافظ أبو جعفر محمد بن عمر العقيلي في كتاب (( الضعفاء ) ): موسى بن هلال البصري سكن الكوفة عن عبد الله بن عمر لا يصح حديثه ولا يتابع عليه.

أقول: قال الحافظ العسقلاني في (( تلخيص الحبير ) ): قوله: ولا يتابع عليه في نظر؛ فقد رواه الطبراني من طريق مسلمة بن سالم الجهني عن عبد الله بن عمر بلفظ: (( من جاءني زائرًا لا تعلمه حاجة إلا زيارتي كان حقًا علي أن أكون له شفيعًا يوم القيامة ) )انتهى.

وهذا هو الحديث الثالث في كلام السبكي، وقد ذكر نحو ذلك فيه، على ان قولهم: @

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت