الصفحة 36 من 231

وفي (( الجوهر المنظم ) )للعلامة ابن حجر ما نصه:

لو نذر زيارة قبر نبينا صلى الله عليه وسلم لزمه الوفاء بها، وظاهره أنه يعتبر في اللزوم هنا من الاستطاعة ما يعتبر في الحج المنذور، واللزوم هنا متفق عليه على ما قاله ابن كج بخلاف نذر زيارة قبر غيره صلى الله عليه وسلم، فإن في لزومه وجهين.

قال السبكي: حكاية الاتفاق هي الحق أي: للأدلة الحاصلة فيها الدالة كما علم مما مر على أنها من القرب المندوبة المقصودة المتأكدة التي لا يؤتى بها إلا على وجه العبادة، وكل قربة كذلك تجب بالنذر اتفاقًا، وقبور سائر الأنبياء وغيرهم ممن تسن زيارته كذلك، واشتراط كون المنذور مما وجب جنسه بالشرع قول شاذ لا ينظر إليه على أن زيارته صلى الله عليه وسلم وجب جنسها، وهو الهجرة إليه في حياته.

وما نقل عن مالك ــ رحمه الله تعالى ــ أنها لا تلزم بالنذر: لا ينافي بتقدير صحته عنه كونها قربة الذي صح عنه، وعن سائر علماء المسلمين كما مر؛ لأن النذر لا يوجب سائر القرب بل قربًا مخصوصة كما هو مقرر في محله على أن عبارة (( المختصر ) )، وهو العمدة عندهم، وإنما يلزم به ما ندب، وهي كما ترى ظاهرة في خلاف ما نقل عن مالك.

وقد صرح بعض أئمة المالكية بأن المشي إلى المدينة للزيارة أفضل من المشي إلى الكعبة وبيت المقس، أي: للزيارة، وهو يؤيد عبارة (( المختصر ) )المذكورة كما هو ظاهر انتهى.

وقوله: وهذا الذي قاله مالك وغيره ما علمت أحدًا من أئمة المسلمين قال بخلافه، بل كلامهم يدل على موافقته.

أقول: هذا مردود بأن ما قاله مالك لا يدل على الكراهة أيضًا فضلًا عن الحرمة، فلا بأس بالموافقة على أنه لا بد من ذكر كلام أئمة المسلمين مثل أبي حنيفة والشافعي وأحمد الدال صريحًا على حرمة شد الرحال إلى زيارة القبور، ومجرد دعوى أن كلامهم يدل موافقته مغالطة واضحة ولقائلها فاضحة، ولا يلزم من عدم علمه هو عدمه، ولا من عدم فهمه وجود الاتفاق عليه، نعم لو ثبت أن هذا الذي قاله مالك بلغ غيره من الأئمة فسكت مسلمًا بعد مضي مدة التأمل ثبت الإجماع السكوتي، وإذ ليس في هذا القدر نفع للمدعي. @

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت