فهرس الكتاب
مساجد )) صيغة خبر، ومعناه: النهي فيكون حرامًا، وقال بعضهم: ليس بنهي، وإنما معناه أنه: لا يشرع وليس بواجب ولا مستحب بل مباح.
أقول: فيه أن حصره النزاع بين المتأخرين يشير إلى أن القدماء كلهم متفقون على الحرمة، وليس كذلك ولا بد له على ذلك من إقامة البينة، ثم ما وجه به بين النزاع ليس بصحيح أيضًا، فإن من جوز حمل حديث (( لا تشد الرحال ) )على النهي عن السفر إلى مسجد سوى المساجد الثلاثة، أو على النهي عن السفر إلى مكان سواها بقصد نفس البقعة، ومن حرم حمله على إطلاقه، أو على النهي عن السفر إلى مكان سواها بقصد نفس البقعة،
ومن حرم حمله على إطلاقه، وقد علمت فيما سبق أنه خطأ فهذا هو منشأ النزاع لا ما ذكره.
وقوله: (( وقال بعضهم ــ أي: بعض المتأخرين: ليس بنهي ) )، وإنما معناه: أنه لا يشرع، وليس بواجب، ولا مستحيل بل مباح كالسفر للتجارة وغيرها.
فيقال له: تلك الأسفار لا يقصد بها العبادة، بل يقصد مصلحة دنيوية مباحة، والسفر إلى القبور إنما يقصد به العبادة، والعبادة إنما تكون بواجب أو مستحب؛ فإذا حصل الاتفاق على أن السفر إلى القبور ليس بواجب ولا مستحب كان من فعله على وجه التعبد مبتدعًا ... إلخ.
أقول: فيه أن من جوز السفر إلى زيارة القبور، يلم ألا تشد نهي، لكنه خصصه بالمساجد أو بالسفر بقصد البقعة، وما ألزم عليه ليس بلازم، فإن الحديث لو كان عامًا كما يزعمه المبطلون لحرم السفر لطلب العلم؛ فإنه سفر يقصد به العبادة، فلا بد أن يخصص.
وقوله: وما علمت أن أحدًا من أئمة المسلمين، قال: إن السفر إليها مستحب، وإن كان قاله بعض الأتباع فهو ممكن، وأما الأئمة المجتهدون فما منهم من قال هذا.
أقول: فيه أن كثيرًا من المسائل الفرعية لم يصرح بها الأئمة فخرجها أصحابهم على قواعدهم المقررة ولا ضير في ذلك، والتخريج المذكور له أصل أصيل في الشرع الشريف، كما بينته في كتابي (( سعادة الدارين ) )؛ فارجع إليه إن شئت.
وقوله: وحينئذٍ يتبين لصاحبه أن هذا القول خطأ مخالف للسنة ولإجماع الصحابة. @