فهرس الكتاب
مسجده، وسافر إلى مدينته فلم يصل في مسجده صلى الله عليه وسلم، ولا سلم عليه في الصلاة، بل أتى القبر ثم رجع، فهذا مبتدع ضال، مخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولإجماع أصحابه، ولعلماء أمته، وهو الذي ذكر فيه القولان: أحدهما: أنه محرم، والثاني: لا شيء عليه، ولا أجر له ... إلخ.
أقول: هذا تهور عجيب، وخطأ فاحش، وادعاء بشع، وتقرير شنيع من ابن تيمية قد شدد عليه بسبب علماء عصره بالنكير، وأوجبوا عليه التعزير حتى اعتقل بقلعة دمشق في شعبان سنة (726 هـ) ، ولم يزل بها إلى أن مات في ذي القعدة سنة (728 هـ) على ما بسط الحافظ ابن حجر العسقلاني في (( الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ) )، وغيره في غيره.
ولعلمي أن علم هذا الرجل أكثر من عقله، ونظره أكبر من فهمه، فإن كلامه في هذه المسألة ليس مما يقبله المحققون إلا من أشرب شراب حبه، وهو خارج عن مخاطبات أرباب القرائح السليمة، فإلى الله المشتكى، وإليه التضرع من أمثال هذه الدعاوى الفاسدة الكاسدة التي تقشعر منها جلود الذين يخشون ربهم، ويحبون نبيهم - صلى الله عليه وسلم -.
ولقد صار هذا الرجل بتحقيقه في هذه المسألة مثلًا للأولين والآخرين، ولعبة للناظرين، وضحة للماهرين، وليته سكت عما تفوه به؛ فإن لم يكن سكت فليت أتباعه سكتوا عن تحقيقه في ذلك، ودفنوه معه في مقبرته، ولكن {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40] .
وحاصل الكلام في هذا المقام أن السفر إلى المدينة الشريفة بقصد نفس زيارة القبر النبوي المكرم قد اختلف فيه، فنقل عن الجويني وعياض حرمته، أخذًا من حديث: (( لا تشد الرحال ... ) )وغيره.
وقام لنصرة هذا الرأي ابن تيمية وتلامذته ابن القيم، وابن رجب، وابن عبد الهادي، وسلكوا في مسلكه، وحققوا في زعمهم ما حققوا، ولكن صدق عليهم قول القائل:
تروح إلى العطار تبغي شبابها ... ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر@