الصفحة 49 من 231

وضعفه جماعة.

وقال ابن عدي: إن له أحاديث حسانًا، وأنه ممن احتمله الناس وصدقه بعضهم، وأنه ممن يكتب حديثه، وإذا كان المقصود من هذا الحديث تقوية الأول وشهادته له لم يضر ما قيل في هذين الرجلين، إذ ليس راجعًا إلى تهمة كذب ولا فسق، ومثل هذا يتحمل في المتابعات والشواهد، انتهى كلامه.

لا يقال: قد جرح الحاكم وغيره على الغفاري برواية الأحاديث الموضوعة، وجعلوه متهمًا بالكذب أيضًا، فكيف تعتبر روايته؟! لأنا نقول بعد تسليم أن الغفاري وابن زيد مجروحان بتهمة الكذب أو الفسق: لا ضرر أيضًا في أصل المقصود، فإن أئمة أصول الحديث صرحوا كما في (( فتح المغيث ) )بأن ضعف الحديث إذا كان لكذب في رواية أو شذوذ أو شديد الضعف بغيرهما مما يقتضي الرد؛ فإنه وإن لم يجبر بكثرة الطرق لكن يخرج بكثرة طرقه القاصرة عن درجة الاعتبار بحيث لا يجبر بعضها ببعض إلى أن يرتقي عن مرتبة المردود والمنكر الذي لا يجوز العمل به بحال إلى رتبة الضعيف الذي يجوز العمل به في فضائل الأعمال، وربما تكون تلك الطرق الواهية بمنزلة الطريق الذي فيه ضعف يسير، بحيث لو فرض مجيء ذلك الحديث بإسناد فيه ضعف يسير كان مرتقيًا به إلى مرتبة الحسن لغيره.

وذكر السيوطي في (( تدريب الراوي ) ): إن الضعيف لفسق الراوي أو كذبه، وإن كان لا يؤثر فيه موافقة غيره له إذا كان الآخر مثله، لكن يرتقي بمجموع الطرق عن كونه منكرًا أو لا أصل له، بل ربما كثرت الطرق حتى أوصلته إلى درجة المستور والسيئ الحفظ بحيث إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف قريب محتمل ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن، كما أنه إذا كان ضعفها لإرسال أو تدليس أو جهالة رجال؛ فإنه يزول بمجيئه من وجه آخر، ويكون دون الحسن لذاته انتهى.

إذا تقرر هذا؛ فنقول: الغرض من إيراد هذا الحديث إنما هو تقوية الأول، والأول مرتق بنفسه من غير ضم هذه الرواية إلى درجة الحسن، فلا ضير في كون بعض روايته متهمًا، وإن سلم عدم كون الأول حسنًا بنفسه، فلا ريب في أن ضعفه قريب محتمل ليس مثل ضعف هذا الحديث، فيرتقي المجموع إلى درجة الضعيف الذي يعمل به في فضائل الأعمال أو إلى الحسن، وبالجملة الكلام هاهنا غير قادح في أصل المقصود.

قوله في صفحة (31) : وقد صرح غير واحد من المتقدمين والمتأخرين من الشافعية @

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت