الصفحة 56 من 231

وهب: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، انتهى، أي: لأن استدباره صلى الله عليه وسلم خلاف الأدب.

وفي كتاب الحج من (( الموازية ) )في باب ما جاء في الوداع ما نصه:

قال أشهب: قيل لمالك: فالذي يلتزم أترى له أن يتعلق بأستار الكعبة عند الوداع؟

قال: لا ولكن يقف ويدعو، قيل له: وكذلك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، انتهى.

و (( الموازية ) )من أجل كتب المالكية القديمة المعتمد عليها كما مر، فانظر كيف اقتضى كلام مالك فيها أنه يقف ويدعو عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم كما يقف ويدعو عند الكعبة في طواف الوداع.

فأي دليل أبين من هذا في أن إتيان القر المكرم، والوقوف والدعاء عنده من الأمور المعلومة التي لم تزل من قبل مالك وبعده؟ فمن نقل عنه أن الحضور عند القبر للزيارة والسلام والدعاء عنده صلى الله عليه وسلم ليس بقربة؛ فقد كذب عليه، ومن فهم عنه ذلك؛ فقد أخطأ فهمه وضل، وحاشا مالكًا وسائر علماء الإسلام، بل وعوامهم ممن وقر الإيمان في قلبه أن يقول ذلك أو أن ينهى عنه.

وقوله: والحكاية المرورية عنه أنه أمر المنصور أن يستقبل القبر وقت الدعاء كذب على مالك.

أقول: قال العلامة الزرقاني في (( شرح المواهب ) )تحت هذه العبارة: هذا تهور عجيب، فإن الحكاية المذكورة رواها أبو الحسن على ابن فهر في كتابه (( فضائل مالك ) )بإسناد لا بأس به بل، قيل: إنه صحيح، وأخرجها القاضي عياض في (( الشفا ) )من طريقه عن شيوخ عدة من ثقات مشايخه.

فمن أين أنها كذب، وليس في روايتها كذاب ولا وضاع؟! ولكن هذا الرجل لما ابتدع له مذهبًا، وهو عدم تعظيم القبور كائنة ما كانت، وإنها إنما تزار للاعتبار والترحم بشرط ألا تشد إليها رحل صار كل ما خالف ما ابتدعه بفاسد عقله عنده كالصائل لا يبالي بما يدفعه، فإذا لم يجد له شبهة واهية يدفعه بها بزعمه انتقل إلى دعوى أنه كذب على من نسب إليه مباهتة ومجازفة وعدم نصفه، ولقد أنصف من قال فيه: علمه أكبر من عقله انتهى. وبقية الكلام في هذه الحكاية سيأتي إن شاء الله تعالى عند ذكرها. @

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت