فهرس الكتاب
الاصطلاحي، فبغرض تسليمه لا يفيد؛ إذ ليس كل ما لم يصححه إمام متقدم ساقطًا.
ومن المعروف عند العارف أن الكتب الستة ليست حاوية لجميع الأحاديث الصحيحة، ولا التصحيح موقوف على تصريح أصحاب الستة، ألا ترى إلى كلام ابن جماعة في (( مختصرة ) ): لم يستوعب البخاري ومسلم في كتابيهما كل الصحيح! ثم قيل: لم يفتهما إلا قليل، وقيل: بل فاتهما كثير منه، وإنما لم يفت الأصول الخمسة منه إلا قليل وهذا أصح، والمعني بالأصول الخمسة كتاب البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، ويعرف الزائد عليها بالنص على صحته من إمام معتمد في السنن المعتمدة لا بمجرد وجوده فيها إلا إذا شرط مؤلفها الصحيح ككتاب ابن خزيمة، وأبي بكر البرقاني انتهى، ومثله كثير في كتب الأئمة شهير.
وقال السيوطي في (( التدريب ) ): قال شيخ الإسلام: مسند الدارمي ليس دون السنن في المرتبة، بل لو ضم إلى الخمسة لكان أولى من ابن ماجه، فإنه أمثل منه بكثير انتهى، وكم من حديث ليس في الكتب الستة صححه غير أصحابها أو علمت به الأئمة الأربعة المجتهدين أنه قال: (( إذا صح الحديث فهو مذهبي ) )، ولم يقل: إذا خرج في الكتاب الفلاني مثلًا.
وقوله: وقد تفرد به هذا الشيخ الذي لم يعرف بنقل العلم، ولم يشتهر بحمله، ولم يعرف من حاله ما يوجب قبول خبره، وهو مسلمة بن سالم الجهني الذي لم يشتهر إلا برواية هذا الحديث المنكر، وحديث آخر موضوع ذكره الطبراني بالإسناد المتقدم ومتنه: (( الحجامة في الرأس دواء من الجنون، والجذام، والبرص والنعاس، والضرس ) ).
أقول: دعواه جهالة مسلمة بن سالم الجهني مردودة؛ فإن لم يعرفه هو فقد عرفه غيره كمن تقدموا.
وقوله: وإذا تفرد مثل هذا الشيخ المجهول الحال القليل الرواية بمثل هذين الحديثين المنكرين عن عبيد الله بن عمر أثبت آل عمر بن الخطاب في زمانه، وأحفظهم عن نافع عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمرو من بين سائر أصحاب عبيد الله الثقات المشهورين والأثبات المتقنين، علم أنه شيخ لا يحل الاحتجاج بخبره، ولا يجوز الاعتماد على روايته. أقول: كل ذلك دعوى من غير حجة؛ فليس الشيخ مجهولًا، ولا مما لا يحل الرواية ولا الإنكار مستلزمًا لسقوط الاحتجاج به، فليس كل من روى مناكير لا يحتج به كما مر. @