الصفحة 85 من 231

أقول: دعواه أنه صلى الله عليه وسلم منعهم أن يدخلوا إليه ويزوروه كما تزار القبور من خرافاته وأكاذيبه الفاضحة التي هي في غاية المنع، إذ لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا تزوروا قبري ) )، بل لو رود ذلك لوجب تأويله لما مر من إجماع المسلمين على مشروعية زيارته صلى الله عليه وسلم والإجماع من الأدلة القطعية، وهي لا تعارض بغيرها من الظنيات، فوجب تأويل ذلك؛ لأنه ظني حتى يوافق ذلك القطعي.

وحديث: (( لا تتخذوا بيتي عيدًا ) )لا دلالة فيه على زعمه عدم مشروعية الزيارة لاحتماله الحث عليها، بل وعلى كثرتها كما سيأتي، وأما احتماله للنهي عنها، فهو بغرض أن المراد محمول على حالة مخصوصة أي: لا تتخذوه كالعيد في العكوف عليه، وإظهار الزينة واللهو والطرب عنده وغيرهما مما يجتمع له في الأعياد، بل لا يؤتى إلا للزيارة والسلام والدعاء ثم ينصرف عنه، فلا حجة له فيه بوجه من الوجوه، وتخيله أن منع الزيارة يوجب كمال التوحيد، وكمال الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم ... إلخ، تخيل باطل دال على غباوته وخباله؛ لأن الذي يقدح في ذلك إنما هو اتخاذ القبور مساجد بالعكوف عليها والصلاة إليها أو فيها أو عليها، وتصوير الصور فيها كما ورد في الأحاديث الصحيحة، بخلاف الزيارة والسلام والدعاء كما ذكرناه.

وكل عاقل يعلم الفرق بينهما، ويتحقق أن النوع الثاني إذا فعل مع المحافظة على آداب الشريعة الغراء لا يؤدي إلى محذور البتة.

وهنا أمران لا بد منهما:

أحدهما: وجوب تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم ورفع رتبته عن سائر الخلق.

وثانيهما: إفراد الربوبية، واعتقاد أن الرب تبارك وتعالى منفرد بذاته وصفاته وأفعاله عن جميع خلقه، فمن اعتقد في مخلوق مشاركة الباري سبحانه وتعالى في شيء من ذلك؛ فقد أشرك، ومن قصر بالرسول صلى الله عيله وسلم عن شيء من مرتبته؛ فقد عصى أو كفر، ومن بالغ في تعظيمه صلى الله عليه وسلم بأنواع التعظيم، ولم يبلغ به ما يختص بالباري سبحانه وتعالى، فقد أصاب الحق، وحافظ على جانب الربوبية والرسالة جميعًا، وذلك هو القول الذي لا إفراط فيه ولا تفريط. @

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت