الصفحة 92 من 231

ألا ترى إلى ما جاء من طرق أن جبريل عليه السلام، أتى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال له: (( إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع وتستغفر لهم ) )،

فخرج في ليلة عائشة ــ رضي الله تعالى عنها ــ فقام وأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات ... )) الحديث المشهور، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم علم عائشة ما تقول إذا زارتهم كما رواه مسلم.

فانظر كيف خرج صلى الله عليه وسلم إلى بقيع بأمر الله تعالى ليستغفر لأهله، ولم يكتف بذلك في الغيبة، مع أنه صلى الله عليه وسلم لو استغفر في الغيبة لنفعهم، ووصل إليهم لتعلم أن السلام عليه صلى الله عليه وسلم، وإن وصل إليه من بعد لكن ليس فيه من الفضل والفوائد الآتي بيانها ما فيه إذا كان من قرب، فعلم أن الحضور عند القبر بسبب زيارة من فيه، والدعاء له مطلوب، وأنه ليس من باب قصد الأمكنة، ولا دل الحديث على امتناعه، ولا قال به أحد من العلماء كما مر.

وفي تعليمه صل الله عليه وسلم لعائشة ــ رضي الله تعالى عنها ــ أدل دليل على مشروعية زيارة القبور للنساء لكن بشروط مذكورة في محلها، فلا ينافي لعنه صلى الله عليه وسلم لزائرات القبور؛ لأنه فيمن يكثر جزعهن أو تخشى عليهن الفتنة انتهى.

وقوله: فالذين استثنوا نبينا يعللون ذلك بأن السفر هو إلى مسجده.

أقول: تقدم مرارًا فيما مر أن هذا الافتراء عليهم، ولا يشهد به المشرع ولا اللغة ولا العرف، وبه تعلم خطأه، وتخبطه في قوله الآتي قريبًا، والصواب أن السفر إلى قبره إنما يستثنى؛ لأنه سفر إلى مسجده .... إلخ.

قوله في صفحة (84) : ومن الناس من لا يتصور ما هو الممكن المشروع من الزيارة حتى يرى المسجد والحجرة بل يسمع لفظ زيارة قبره، فيظن ذلك كما هو المعروف المعهود من زيارة القبور أنه يصل إلى القبر، ويجلس عنده، ويفعل ما يفعله من زيارة شرعية أو بدعية، فإذا رأى المسجد والحجرة تبين له أنه لا سبيل لأحد أن يزور قبره كالزيارة المعهودة عند قبر غيره.

أقول: غيه أنه لا يلزم من ذلك عدم مشروعية زيارة قبره مطلقًا، فليست مشاهدة القبر في ذلك قيدًا، ولو كانت قيدًا لا يلزم من عدمه في بعض الأعصار عدم الإمكان، ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت