الصفحة 21 من 921

ثم قال رحمه الله تعالى:"وسميته إرشاد السالك -إلى أشرف المسالك"والمقصود بتسمية هذا الكتاب بالإرشاد تفاؤلا بهداية السائل ورشاده والله أعلم .

ومن المعقول طبعا وشرعا أن من سئل شيئا من أمر الدين يريد الهداية والإرشاد والفهم فيه . ومعنى السالك أي الداخل في طريق النجاة ، ومن أوضحه وأشرفه وأعلاه منزلة فن الفقه ؛ لأنه به يفقه أمر دينه ودنياه ، ويميز به بين الحق والباطل والحرام من الحلال . قال تعالى: { فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ } [التوبة: 122] الآية .

وفي الحديث الصحيح عن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"الحديث ، وقال بعضهم:

إذا اعتز ذو علم بعلم = فعلم الفقه أولى باعتزاز

فكم طيب يفوح ولا كمسك = وكم طير يطير ولا كبازي

ولا شك أنه كذلك . نسأل الله سبحانه أن يفقهنا في الدين آمين .

وقد نسب المصنف كتابه هذا إلى مذهب إمامنا بقوله:"على مذهب الإمام أبي عبد الله مالك"أخبر المصنف أنه وضع أساس بناء هذا الكتاب على قواعد مذهب إمام الأئمة ، ومصباح السنة ، إمام دار الهجرة أبي عبد الله مالك بن أنس المتقدم ذكره في أول الخطبة . وقوله الإمام الأعظم هذا من حسن الوضع وحسن الثناء ، ولم أر أحدا من أهل المذهب ولا غيره كنى الإمام بالأعظم سوى مصنفنا العلامة شهاب الدين عبد الرحمن بن محمد بن عسكر البغدادي رحمه الله آمين .

والمعروف بالإمام الأعظم أبو حنيفة بن ثابت التابعي صاحب المذهب ، رضي الله عنه . وقوله على مذهب الإمام ، يعني على ما ذهب إليه وأفتى به نفسه في حياته ، وعمل به أصحابه بعد مماته كما تقدم في أول الخطبة .

وحاصل ما في المقام أن الإمام رحمه الله تعالى نشأ بين العلماء غلاما مهذبا عاقلا حافظا ضابطا ، متقنا للسنة المطهرة برا تقيا ، فتعلم منهم وجمع علومهم ، وحفظ آراءهم ، ونقل آثارهم ، وعرف مذاهبهم وماركهم ، وأحكم قواعدهم ، وجمع بين الفقه والحديث حتى صار إماما في السنة ، وسيد فقهاء الحجاز ، وهو الذي قيل فيه تعظيما:"لا يفتي أحد ومالك في المدينة وأصبحت مثلا ."

وكان رحمه الله فقيرا أول أمره ، فحسنت حاله . وقد أخذ العلم عن نحو مائة شيخ انتقاهم وارتضاهم ، فما لبث فيهم إلا وقد تبين فضله واشتهر علمه ومجده ، ونبل قدره وعظمت منزلته ، وعرفت مكانته ، وظهرت سيادته ، فأقروا بفضله وأذعنوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت