فهرس الكتاب
الله تعالى:"و يتحقق الحنث بفوت المحلوف عليه كقوله لأدخلن اليوم فغربت الشمس و لم يدخل"يعني يحنث في قوله لأدخلن الدار في هذا اليوم و لم يدخلها حتى غربت الشمس و فاته الدخول بأمر شرعي أو عادي فيحنث و تلزمه كفارة . قد عقد ابن جزي فصلًا في البر و الحنث في القوانين فقال: البر هو الموافقة لما حلف عليه ، و الحنث مخالفة ما حلف عليه من نفي أو إثبات ، فكل من حلف على ترك شيء أو عدمه فهو على بر حتى يقع منه الفعل فيحنث ، و من حلف على الإقدام على فعل أو وجوده فهو على حنث حتى يقع الفعل فيبر . ثم إن الحنث في المذهب يدخل بأقل الوجوه ، و البر لا يكون إلا بأكمل الوجوه فمن حلف أن يأكل رغيفًا لم يبر إلا بأكل جميعه ، و إن حلف أن لا يأكله حنث بأكل بعضه . و من حلف أن لا يفعل فعلًا ففعله حنث سواء فعله عمدًا أو سهوًا أو جهلًا إلا أن نسي ففعل ناسيًا فاختار السيوري و ابن العربي أنه لا يحنث وفاقًا للشافعي ، فلو فعله جهلًا كما لو حلف أن لا يسلم على زيد فسلم عليه في ظلمة وهو لا يعرفه حنث خلافًا للشافعي . و أما إن أكره على الفعل لم يحنث ، كما لو حلف أن لا يدخل دارًا فأدخلها قهرًا ، لكن إن قدر على الخروج فلم يخرج حنث ، و إن حلف أن يفعل شيئًا فتعذر عليه فعله فلا يخلو من ثلاثة أوجه: الأول أن يمتنع لعدم المحل كمن حلف أن يضرب عبده فمات ، أو أن يذبح حمامة فطارت فلا حنث عليه إن لم يفرط . الثاني أن يمتنع شرعًا كمن حلف ليطأن زوجته فوجدها حائضًا ، فإن لم يطأها فاختلف هل يحنث أم لا ، و إن وطئها فقيل أثم على المشهور و بر يمينه . و قيل لم يبر لأنه قصد وطأها مباحًا اهـ .
ثم قال رحمه الله تعالى:"و تعتبر النية ، ثم الباعث ، ثم العرف ، ثم الوضع"يعني كما في أقرب المسالك: و خصصت نية الحالف ، و قيدت ، و بنيت ، و المعنى فالعبرة في الحلف بالنية و إذا لم توجد النية يعتبر البساط و هو الباعث على الحلف . ثم إن لم يوجد الباعث يعتبر بالعرف القولي ، ثم العرف الشرعي . فتحصل أن ما تخصص به اليمين أو يقيدها أمور أربعة: النية ، و البساط ، و العرف القولي ، و المقصد الشرعي . قال الصاوي: و الخامس العرف الفعلي على ما لابن عبد السلام . قال الدردير: و إنما تعتبر النية في التخصيص و التقييد أي يعتبر تخصيصها أو تقييدها إذا لم يسلتحف في الحق الذي عليه لغيره ، و إلا بأن استحلف في حق فالعبرة حينئذ بنية المحلف سواء كان ماليًا كدين و سرقة أم لا ، فمن حلفه المدعي أنه ليس له عليه دين ، أو لقد وفاه ، أو أنه ما سرق ، أو ما غصب ، فحلف و قال نويت من بيع أو من قرض أو من عرض الذي على خلاف ذلك لم يفده و لزمه اليمين بالله أو