الثاني: أن مثل هذا قد نقبله , لو كان من حافظ من الحفاظ , يفصل في حديثه , ويبين لنا , أن هذا الحديث , غير هذا , و إن كان كلهم باسناد واحد , وهذا من أحد أسباب الاختلاف في عدّ أحاديث صحيح البخاري مثلا , فمنهم من يجعل مثل هذه الروايات واحدة , ومنهم من يفصلها , ويجعل لكل حديث رقم , وسواء كان هذا أو ذاك , فالمهم , أننا نعلم أن هذا الحديث غير ذاك , أو أنّ هذه الروايات , رويت في مقام و مجلس واحد , فعلى ذلك يمكن أن تقسم الروايات في هذا المقام الى ثلاثة أقسام كالتالي:
1 -عدة روايات تروى باسناد واحد , يبين لنا الراوي فيها كل متن , و يفصل كل حديث عن الآخر.
2 -رواية واحدة بأسانيد مختلفة , يبين لنا الراوي , اسناد كلّ رواية على حدة.
3 -قسم أخير , وهو الخلط , لا يبين لنا هذا من ذاك , وهذا ما في قبوله نظر , ولقبوله قرائن:
فإن كان من حافظ متقن , ولم نجد من تكلم في روايته هذه قبلناه , كما سأمثل لذلك بحديث الزهري في الإفك بعد قليل , و ان كان ممن هو دونه فهذا لا يقبل حتى يبين لنا و يفصل لنا في حديثه , كما هو حال محمد بن اسحاق صاحب السيرة ..
وكذلك ينظر هل يروي موضوع واحد , أم عدة روايات مختلفة الموضوع , وهل يفصل لنا بين الحوادث , وغير ذلك من القرائن التي تبين حفظ الراوي من عدمه.
وكذلك من يروي عنهم هذا الراوي , هل هم ثقات كلهم أم يروي عن الثقة و غيره , وهل هو مدلّس أم لا , ودرجة تدليسه .. الخ.
وعلى أي حال , فمثل ذلك , غالبا , لا يقبل إلا من حافظ متقن.
وأذكر مثالا على ما يفعله الحفاظ من حرصهم على فصل الأحاديث طالما اختلفت القصة بالنسبة للمقامين الأولين , فمن ذلك:
من المقام الأول , وهو عدة روايات مختلفة تروى باسناد واحد , ما أخرجه البخاري في كتاب: أحاديث الأنبياء , باب: ما ذكر عن بني اسرائيل ,
فذكر ثلاثة أحاديث من طريق , أبو عوانة , حدثنا عبد الملك , عن ربعيّ ابن حراش قال: قال عقبة بن عمرو لحذيفة: ألا تحدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ,
فذكر حذيفة ثلاثة أحاديث , فصل بين كل واحد منها بقوله:
"وسمعته يقول:"أي رسول الله صلى الله عليه وسلّم , ففصل لنا الحديث و بين , أن كل رواية خلاف الأخرى.