وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنْ حَدِيثِهَا وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ وَأَثْبَتَ لَهُ اقْتِصَاصًا وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ عَائِشَةَ وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ قَالُوا قَالَتْ عَائِشَةُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ ..
فذكر الحديث بطوله , وقد قبل الحفاظ هذا الصنيع من الزهري لأنه حافظ , و ضابط لما قال , ولو كان في حديثه شذوذ أو غلط لبينوه و لا شكّ , كما أن الزهري يروي واقعة واحدة , و عن جمع من الثقات فلا يضرّ الرواية ذلك , وفارق كبير بين الزهري و محمد ابن اسحاق في الحفظ و الاتقان , وقد بين بن حجر [1] أن الزهري روى جميع الحديث عن مجموعهم , لا أن مجموعه عن كلّ واحد منهم , وهذا يفيد ما قدمت أنّ مثل هذا الجمع بين الروايات لا يقبل إلا من حافظ متقن , قال الخليلي" (ذاكرت يومًا بعض الحفاظ؛ فقلت: البخاري لم يخرج حماد بن سلمة في الصحيح وهو زاهد ثقة؟ فقال: لأنه جمع بين جماعة من أصحاب أنس، فيقول: حدثنا قتادة، وثابت، وعبد العزيز بن صهيب. وربما يخالف في بعض ذلك. فقلت: أليس ابن وهب اتفقوا عليه، وهو يجمع بين أسانيد؛ فيقول: حدثنا مالك، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، والأوزاعي، بأحاديث، ويجمع بين جماعة غيرهم؟ فقال: ابن وهب اتقن لما يرويه وأحفظ له) ."
قال ابن رجب معلقًا: (ومعنى هذا: أن الرجل إذا جمع بين حديث جماعة، وساق الحديث سياقةً واحدة، فالظاهر أن لفظهم لم يتفق، فلا يقبل هذا الجمع إلا من حافظ متقن لحديثه، يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم، كما كان الزهري يجمع بين شيوخ له في حديث الإفك وغيره) [2] , و في ذلك كفاية لمن ألهم رشده.
و على أي حال , فهناك ما يغني عن هذه الرواية , مما هو أصحّ , كما سيأتي ان شاء الله , و الله الموفق للصواب.
47 -قال الإمام البخاري - رحمه الله:
حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ [3] حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} قَالَ هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ} قَالَ هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. [4]
(1) الفتح 8/ 433
(2) شرح علل الترمذي لابن رجب , ذكر من ضعف حديثه إذا جمع الشيوخ دون ما إذا أفردهم.
(3) هو أبو بكر عبد الله بن الزبير , اما حجة , وسفيان هو ابن عيينة , وعمرو هو بن دينار المكي , أبو محمد الأثرم , ثقة ثبت , من الرابعة.
(4) صحيح البخاري , حديث 3888, 4716,6613 , سنن الترمذي , حديث 3134 وقال"حديث حسن صحيح"