فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 59

وفي تعريف الردة والمرتد قال ابن حزم رحمه الله: المرتد: كل من صح عنه أنه ارتد عن الإسلام وخرج إلى دين ـ حاشا دين الإسلام ـ ثم ثبت أنه ارتد عن الإسلام وخرج إلى دين كتابي أو غير كتابي أو إلى غير دين. اهـ [1]

وقال القليوبي رحمه الله: هو قطع الإسلام بنية أو قول كفر أو فعل، سواء قاله استهزاءً أو عنادا أو اعتقادا. اهـ [2]

ويظهر من تعريف القليوبي أن الردة تحصل بعمل القلب ـ النية ـ كما تحصل أيضا بالقول أو الفعل المجرد عن الاعتقاد كما هو الحال في الاستهزاء أو العناد.

وقال ابن تيمية رحمه الله: المرتد كل من أتى بعد الإسلام من القول أو العمل بما يناقض الإسلام بحيث لا يجتمع معه. اهـ [3] ، وقال أيضا رحمه الله: وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر كَفَر بذلك، وإن لم يقصد أن يكون كافرا. اهـ [4]

ويتضح من تعريف ابن تيمية رحمه الله للردة أنها تشمل كل قول أو فعل يناقض أصل الإيمان وقد يكون الكفر ناتجا عن استكبار أو إعراض أو شك أو تكذيب، فالعبرة في الحكم بوقوع الكفر لا بسببه وباعثه.

وقال أبو بكر الحصني الشافعي رحمه الله: الردة في الشرع الرجوع عن الإسلام إلى الكفر وقطع الإسلام، ويحصل تارة بالقول وتارة بالفعل وتارة بالاعتقاد، وكل واحد من هذه الأنواع الثلاثة فيه مسائل لا تكاد تحصر. اهـ [5]

وقال القاضي ابن فرحون المالكي رحمه الله: الردة هي الكفر بعد الإسلام، قال ابن الحاجب: وتكون بصريحٍ ولفظ يقتضيه وبفعل يتضمنه، قال ابن راشد: فالصريح واضح كقوله: أشرك بالله، أو أكفر بمحمد، واللفظ الذي يقتضيه مثل أن ينسب التأثير للنجوم، ومثل الخطيب يرى كافرا يريد أن ينطق بكلمة الإسلام، فيقول له اصبر حتى أفرغ من خطبتي، فإنه يُحكم بكفر الخطيب لأنه أراد بقاء الكفر، قال: وهذا سمعته من شيخنا شهاب الدين القرافي رحمه الله، ولم أر من نص عليه، وقال ابن عبد السلام: واللفظ الذي يقتضي الكفر كجحده لما عُلم من الشريعة بالضرورة كالصلاة والصيام، قال ابن رشد: وأما الفعل الذي يتضمن الكفر فمثل التردد إلى الكنائس، والتزام الزنار في الأعياد. اهـ [6]

وهذا التعريف من أجمع ما قيل في الردة، فإنه صريح في كون الردة تحصل بالصريح من القول أو الفعل وأنهها تحصل كذلك باللفظ الذي يقتضي الكفر كأن ينسب التأثير في الكون إلى غير الله تعالى من النجوم أو البشر أو غير ذلك، والفعل الذي يتضمن الردة وإن لم يصرح بها فاعله مثل التردد إلى الكنائس مع التزيي بزي المشركين الذين يلبسونه في أعيادهم ومثل تعليق الصليب الذي هو شعار دينهم، فإذا علمت هذا وتدبرته علمت ما وقع فيه الكبار قبل الصغار من الخروج عن دين الله تعالى وشرعه نسأل الله أن يرد الجميع إليه ردا جميلا.

وقال الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله: إن علماء السنة والحديث قالوا: إن المرتد هو الذي يكفر بعد إسلامه إما نطقا، وإما فعلا، وما اعتقادا، فقرروا أن من قال الكفر كفر وإن لم يعتقده ولم يعمل به، إذا لم يكن مكرها، وكذلك إذا فعل الكفر كفر وإن لم يعتقده ولا نطق به، وكذلك إذا شرح بالكفر صدره أي فتحه ووسعه وإن لم ينطق بذلك ولم يعمل به، وهذا معلوم قطعا من كتبهم ومن له ممارسة في العلم فلابد أن يكون قد بلغ طائفة من ذلك. اهـ [7]

قلت: ومما سبق من كلام العلماء يتبين أن الردة تكون بالقول أو بالفعل أو بالنية والاعتقاد (عمل القلب) ، وأن كل من خرج عن دين الإسلام بقول أو فعل مكفر فهو مرتد، وسواء كان ذلك اعتقادا منه أو كان ذاهلا عنه أو كان مستهترا أو كان غير قاصد للكفر بشرط أن يكون قاصدا للقول أو الفعل المكفر عالما بحرمة فعله وقوله والله أعلم [8] .

هذا وقد ذكرت بعض الأقوال الباطلة ممن ينسب إلى العلم في زماننا هذا في تعريف الكفر والردة وشروط اعتبارهما بشيء من التفصيل مع الرد عليها وبيان ما فيها من مخالفات

(1) المحلى لابن حزم ج11/ 118، راجع بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني لعلاء الدين الكاساني الحنفي ج7/ 134.

(2) حاشية قليوبي وعميرة ج4/ 174.

(3) الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية/459.

(4) المصدر السابق/177.

(5) كفاية الأخيار لأبي بكر الحصني ج2/ 123.

(6) تبصرة الحكام لابن فرحون المالكي ج2/ 227.

(7) الدفاع عن أهل السنة والاتباع للشيخ حمد بن عتيق/30، ط: دار القرآن الكريم، راجع فتح القدير للشوكاني ج1/ 218.

(8) ذكرنا مسالة قصد الكفر وهل يشترط في الحكم بالحكم على من قاله أو فعله في الباب الخاص ببيان حكم من سب الله أو الرسول صلى الله عليه وسلم أو الاستهزاء بالشريعة والحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت