سعد بن أبي السرح عند عثمان بن عفان رضي الله عنه، فجاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله بايع عبد الله، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: (أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله) فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك، قال صلى الله عليه وسلم: (إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين)
وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح مكة وعلى رأسه مغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: يا رسول الله بن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اقتلوه) [1] وكان ابن خطل قد أسلم ثم ارتد ولحق بالمشركين فأحل النبي صلى الله عليه وسلم دمه، وعن جرير رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا أبق العبد إلى الشرك فقد حل دمه) [2] ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تنزجر، قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه، فأخذ المِغْول فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل فلطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح ذُكِر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجمع الناس فقال: (أنشد الله رجلا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام) ، فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا اشهدوا أن دمها هدر)
وفي قتل جماعات المرتدين سواء كانت لهم شوكة أو لم تكن لهم شوكة ورد عن أنس رضي الله عنه: (أن ناسا من عكل وعرينة قدموا المدينة على النبي صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام فقالوا: يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة،(فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها) فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم واستاقوا الذود، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فبعث الطلب في آثارهم، (فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم) [3]
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر رضي الله عنه بعده وكفر من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله) فقال أبو بكر رضي الله عنه: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه، فقال عمر رضي الله عنه: فو الله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق [4] .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرح حديث (من بدل دينه فاقتلوه) : هذا واستدل به على قتل المرتدة كالمرتد وخصه الحنفية بالذكر وتمسكوا بحديث النهي عن قتل النساء، وحمل الجمهور النهي على الكافرة الأصلية إذا لم تباشر القتال ولا القتل لقوله في بعض طرق حديث النهي عن قتل النساء لما رأى المرأة مقتولة (ما كانت هذه لتقاتل ثم نهى عن قتل النساء) ، واحتجوا أيضا بأن مَنْ الشرطية لا تعم المؤنث، وتعقب بأن بن عباس راوي الخبر قد قال: تقتل المرتدة، وقتل أبو بكر في خلافته امرأة ارتدت والصحابة متوافرون فلم ينكر ذلك عليه أحد، وقد أخرج ذلك كله ابن المنذر، وأخرج الدارقطني أثر أبي بكر من وجه حسن وأخرج مثله مرفوعا في قتل المرتدة لكن سنده ضعيف، وقد وقع في حديث معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسله إلى اليمن قال له: (أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فان عاد وإلا فاضرب عنقه وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فان عادت وإلا فاضرب عنقها) وسنده حسن وهو نص في موضع النزاع فيجب المصير إليه ويؤيده اشتراك الرجال والنساء في الحدود كلها الزنا والسرقة وشرب الخمر والقذف ومن صور الزنا رجم المحصن حتى يموت فاستثنى ذلك من النهي عن قتل النساء فكذلك يستثنى قتل المرتدة. اهـ [5]
هذا عن حكم الفرد إذا ارتد وأما عن حكم الجماعة إذا ارتدت فقتالها واجب أيضا، وقد مر بيان ذلك في قتل النبي صلى الله عليه وسلم للعرنيين، وقتال أبو بكر والصحابة معه رضي الله عنهم للمرتدين ومانعي الزكاة، وقد اجتمعت على ذلك كلمة الصحابة رضي الله عنهم كلهم بعد مناقشة عمر لقول أبي بكر فيهم فكان إجماعا رضي الله عن الصحابة أجمعين.
(1) رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن حبان والنسائي وأبو داود وأحمد ومالك وابن خزيمة وأبو يعلى والبيهقي والطبراني.
(2) رواه أبو داود والنسائي والبيهقي وأبو عوانة عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.
(3) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأحمد وابن ماجة.
(4) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأحمد وأبو داود والبيهقي.
(5) فتح الباري ج12/ 284، باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم، راجع تفسير القرطبي، ج3/ 51ـ 52، ط: دار الحديث، والمجموع شرح المهذب، ج21/ 65:77، وشرح الشفا للقاضي عياض، ج2/ 472، وقد فصلنا بحمد الله تعالى القول في هذه المسألة مع حكم استتابة المرتدين في الباب الخاص ببحث مختصر أحكام الردة والمرتدين فليرجع إليها هناك.