ذلك، ولكن كيف يكون الحال إذا كفر الإمام، أو عطل الحدود، أو ارتكب هو ما يوجب إقامة الحد عليه؟ فلا شك أنه يجوز لمن قدر على إقامة هذه الحدود بشروطها الشرعية بغير مفسدة أو ضرر أكبر من تركها أن يقيمها، فإن الحدود مخاطب بها جمهور الأمة من حيث الأصل، وإنما الإمام نائب عن الأمة في القيام بها، فإن الله تعالى قد خاطب المؤمنين كافة بإقامة هذه الحدود فقال تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله) [1] وقال تعالى (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) [2] ، وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون) [3] ، وقال تعالى (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) [4] ، وقال تعالى (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم، فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابًا رحيمًا) [5] وقال تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم) [6] ، فكل الأوامر الشرعية بإقامة الحدود وردت بواو الجماعة وبصيغة الجمع التي يخاطب بها عموم الأمة ولا فرق بين هذه الأوامر والأمر الوارد في قوله تعالى (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) وفي قوله تعالى (وقاتلوا المشركين) .
فإقامة الحدود مخاطب بها جمهور الأمة (فاقطعوا، فاجلدوا، وكتبنا عليهم، فآذوهما، فاجلدوهم، وفي حد الردة: فاقتلوه) ، ولكن لما كان الأمر يحتاج إلى علم صحيح وقوة ومنعة، ولا يستقيم إلا بتفويضه إلى هيئة تقوم به، إذا ليس من الممكن بحال جمع كل آحاد أمة الإسلام في قطر ما لإقامة الحدود، وحتى لا ينفتح على الناس باب الشر والفساد، وُكِّلَ أمر الحدود إلى الإمام أو ما ينوب عنه من أصحاب السلطان والولاية، وذلك بعد الفصل فيها
(1) سورة المائدة، الآية: 37.
(2) سورة النور، الآية: 2.
(3) سورة البقرة، الآية: 178 ـ 179.
(4) سورة المائدة، الآية: 45.
(5) سورة النساء، الآيات: 15ـ 16.
(6) سورة النور، الأيات: 4 ـ 5، راجع: المغني ج9/ 35،43،83