فهرس الكتاب
يتحاكمون أيضا لمثل هذه القوانين التي وضعها لهم حثالة اليهود والنصارى، فأعرق هذه الدول تستورد قوانينها تارة من إيطاليا وتارة من فرنسا ناهيك عن أدناها، غير أن هناك فرقا كبيرا بين ما كان يفعله حكام التتار وبين ما يفعله حكامنا اليوم، فإن التتار ما كانوا يلزمون الناس بأحكامهم الوضعية وياسقهم بعكس حكامنا الذين يعاقبون من خرج على أحكامهم بعقوبات تصل إلى القتل في كثير من الأحيان، فإن خففت فبالسجن مدى الحياة [1]
(1) قال أحمد شاكر رحمه الله تعليقا على كلام ابن كثير رحمه الله عن ياسق التتار: أفيجوز في شرع الله أن يُحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس عن تشريعات أوربا الوثنية الملحدة؟ بل تشريع تدخله الأهواء والآراء الباطلة يغيرونه ويبدلونه كما يشاءون لا يبالي واضعه أوافق شرعة الإسلام أم خالفها؟ إن المسلمين لم يُبْلوا بهذا قط فيما نعلم من تاريخهم إلا في ذلك العهد ـ عهد التتار ـ وكان من أسوأ عهود الظلم والظلام، ومع هذا فإنهم لم يخضعوا له بل غلب الإسلام التتار ثم مزجهم فأدخلهم في شرعته وزال أثر ما صنعوا بثبات المسلمين على دينهم وشريعتهم، وبأن هذا الحكم السيئ الجائر كان مصدره الفريق الحاكم إذ ذاك لم يندمج فيه أحد من أفراد الأمم الإسلامية المحكومة ولم يتعلموه ولم يعلموه أبناءهم فما أسرع ما زال أثره، أفرأيتم هذا الوصف القوي من الحافظ ابن كثير في القرن الثامن لذاك القانون الوضعي الذي صنعه عدو الإسلام جنكيز خان؟ ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا العصر في القرن الرابع عشر، إلا في فرق واحد أشرنا إليه آنفا: أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام أتى عليها الزمن سريعا فاندمجت في الأمة الإسلامية وزال أثر ما صنعت، ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالا وأشد ظلما وظلاما منهم، لأن أكثر الأمم الإسلامية الآن تكاد تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة والتي هي أشبه شيء بذاك الياسق الذي اصطنعه رجل كافر ظاهر الكفر، هذه القوانين التي يصنعها ناس ينتسبون للإسلام ثم يتعلمها أبناء المسلمين ويفخرون بذلك آباء وأبناء، ثم يجعلون مرد أمرهم إلى معتنقي هذا الياسق العصري ويحقرون من يخالفهم في ذلك، ويسمون من يدعوهم إلى الاستمساك بدينهم وشريعتهم رجعيا وجامدا، إلى مثل ذلك من الألفاظ البذيئة، بل إنهم أدخلوا أيديهم فيما بقي في الحكم من التشريع الإسلامي، يريدون تحويله إلى ياسقهم الجديد بالهوينا واللين تارة وبالمكر والخديعة تارة وبما ملكت أيديهم من السلطان تارات، ويصرحون ولا يستحيون بأنهم يعملون على فصل الدولة عن الدين، أفيجوز إذن مع هذا لأحد من المسلمين أن يعتنق هذا الدين الجديد، أعني التشريع الجديد؟ أويجوز لأب أن يرسل أبناءه لتعلم هذا واعتناقه واعتقاده والعمل به عالما كان الأب أو جاهل؟ أويجوز لرجل مسلم أن يلي القضاء في ظل هذا الياسق العصري وأن يعمل به ويعرض عن شريعة الله البينة؟ ما أظن أن رجلا مسلما يعرف دينه ويؤمن به جملة وتفصيلا ويؤمن بأن هذا القرآن أنزله الله على رسوله كتابا محكما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وبأن طاعته وطاعة الرسول الذي جاء به واجبة قطعية الوجوب في كل حال، ما أظنه يستطيع إلا أن يجزم غير متردد ولا متأول بأن ولاية القضاء في هذه الحال باطلة بطلانا أصليا لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة، إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام كائنا من كان في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها، فليحذر امرؤ لنفسه وكل امرئ حسيب نفسه، ألا فليصدع العلماء بالحق غير هيابين، وليبلغوا ما أمروا بتبليغه، غير موانين ولا مقصرين. اهـ (راجع عمدة التفسير مختصر تفسير ابن كثير لأحمد شاكر ج4/ 173 ـ 174)