فهرس الكتاب
والتتار يشتمل عسكرهم على مسلمين ـ وهم أكثر الجند ـ ويشتمل أيضا على غير المسلمين من النصارى وغيرهم وهكذا الحال في جيوشنا، فالإسلام ليس شرطا في الالتحاق بجيوش بلادنا، بل الشرط الوحيد في هذا الباب هو المواطنة، فالمواطن من أهل البلدة يلتحق بهذه الجيوش بغض النظر عن دينه، بل إن الالتزام بالإسلام في كثير من هذه الدول مانعا من الالتحاق بهذه الجيوش خوفا من حصول المسلمين ـ وخاصة المجاهدين منهم ـ على قسط من التدريب العسكري الجيد أو الحصول على بعض الأسلحة، وفي جيش التتار من يقيم الصلاة وهو القليل وجمهور عسكرهم لا يلتزمون أداء الصلاة في مواقيتها وكثير منهم لا يصلي البتة، ويعرف من التحق بجيوش دولنا عدد من يقيمون الصلاة في المعسكرات والوحدات المختلفة، وأنهم لا يزيدون في أحسن الأحوال عن عشر مجموع الجيش [1] .
والمسلم الصالح عند مسئولي جيوشنا من الضباط لا احترام له ولا تقدير في الغالب الأعم بعكس التتار الذين كانوا يحترمون الصالح من جنودهم ويعتبرونه بمنزلة المسلم العدل ويقدرونه قدره ويقدمونه على غيره
وعامة جيوشنا لا تقاتل غيرها على الإسلام ولا تتحاكم إليه، بل إن لهم قوانين خاصة في محاكمهم ـ والتي يسمونها المحاكم العسكرية ـ يتحاكمون إليها وينفذونها على من ينتسب إليهم من الضباط والجنود، وأحكامهم وأنظمتهم العسكرية في هذه المحاكم والوحدات والمعسكرات لا تمت للإسلام بصلة، بل إنها تخالفه جملة وتفصيلا، وهم لا يقاتلون من خالف الإسلام وشرائعه، بل إنهم يقاتلون من خرج على رئيسهم أو أميرهم أو ملكهم أو سلطانهم أيا كان دينه أو مذهبه، فإن كان السلطان أو الحاكم أو الرئيس ديمقراطيا قاتلوا من خالف الديمقراطية ولو كان يريد تحكيم الإسلام وشرائعه، وإن تغير فكر الحاكم أو جاء غيره وكان شيوعيا قاتلوا من خالفه ولو كان ديمقراطيا.
وهذه الجيوش لا تلزم غير المسلمين في بلادهم من أهل الكتاب بالجزية والصغار، ولا يحرمون دماء الناس وأموالهم إلا بحكم حاكمهم وأمره، فإن أمرهم بالقتل وأخذ الأموال فعلوا، وإن نهاهم عنه انتهوا، فعامة أحوالهم هي طاعة رؤسائهم والدفاع عنهم وعن أنظمتهم ومناهجهم مهما كانت هذه الأنظمة والمناهج، ولا اعتبار عندهم لمدى اتفاق هذه المناهج أو
(1) حدثني أحد جنود الجيش المصري وحلف لي بالأيمان المغلظة على صدق ما رأى بعينه أن جنديا في وحدتهم العسكرية قرر ذات يوم أن يؤذن للظهر، وبينما هو يؤذن إذ نادى قائدهم لجمع الجنود، فاستمر المؤذن في أذانه ولم يقطعه، فاستشاط القائد غضبا وأمره أن يأتي من مكانه زاحفا على الأرض عقابا له على عدم ترك الأذان والانضمام لصفوف الجنود عند جمعه لهم، فأقسم المؤذن بالطلاق ثلاثا أن لا يؤذن لصلاة ولا يدخل مسجدا ما دام حيا.